فيلم "طفل العراق " في افتتاح مهرجان الخليج السينمائي الرابع :...

الأفلام العراقية تواجه مشكلة اجترار البكائيات الكئيبة والعنف...

طاهر علوان...

بانعقاده هذا العام يكون مهرجان الخليج السينمائي الرابع قد رسخ مساره في احتضان العديد من التجارب السينمائية في منطقة الخليج وفي استقطابه للطاقات والمواهب السينمائي الواعدة .

ومما لاشك فيه ان طبيعة المنطقة من جهة الأنتاج السينمائي تحتاج الى مزيد من التشجيع والتحفيز لغرض ضخ دماء وروح جديدة في هذا الحقل وذلك مايحرص عليه مهرجان الخليج عبر دوراته المتعددة .

قدم هذا المهرجان ومن خلال مسابقاته وعروضه المتعددة فرصة طيبة لطلبة السينما وللهواة بموازاة المحترفين وهنالك مسابقة للأفلام الأماراتية ومسابقات للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية تتسابق في الحصول على على جوائزها وقد بلغ عدد الأفلام المشاركة في مهرجان الخليج السينمائي الرابع 153 فيلما

وبحسب الدول : الإمارات 45 فيلماً؛ العراق 23 فيلماً، و12 فيلماً من السعودية، و11 من الكويت و 8 من قطر: و 7 من سلطنة عمان، و 2 من البحرين ...

وحصد السينمائيون العراقيون مجموعة مهمة من جوائز المهرجان .

فيلم طفل العراق

يحكي هذا الفيلم قصة شاب عراقي يقرر العودة من منفاه في الدنمارك حيث امضى جزءا من طفولته ومراهقته في تلك البلاد ، ومنذ البداية يعتمد الفيلم طريقة مباشرة في تعريف الشخصية بنفسها من خلال الحديث المباشر امام آلة التصوير ، يتحدث عن جوانب من حياته في المنفى وانه قرر السفر الى العراق بعد ان سبقته امه الى هناك وتركت له تذكرة السفر ، وما يلبث ان يصل الى هناك وحيث يكون عمه في استقباله ليروي له ماذا يعني ان تعيش في بغداد وفي العراق عموما حيث الحياة تفتقر الى ابسط المقومات واولها بالطبع مشكلة عدم توفر امدادات الكهرباء وهي المشكلة الأزلية التي تجدها في اغلب الأفلام الوثائقية العراقية من منطلق انها العلامة المباشرة لمعاناة العراقيين اليومية .

العودة "الى الجذور " الى بغداد والى العراق شكلت مقتربا مهما بل المقترب الأهم على الأطلاق في موضوعات افلام اكثر من مخرج عراقي ، ووجدناها لدى المخرج طارق هاشم في فيلمه ( 16 في بغداد) وهو الآخر يعيش في الدنمارك ويعود الى بغداد ليعرض ماآلت اليه الحياة هناك بعد العام 2003 ، يفعلها ايضا المخرج قاسم عبد في فيلمه الوثائقي "الحياة بعد السقوط" الذي يقدم فيه جوانب من حياة اسرته :اخوته واخواته وكيف يعيشون في بغداد بعد انهيار النظام السابق وبعد الأحتلال ويفعلها المخرج هادي ماهود في فيلمه ( العراق وطني ) الذي يعرض للموضوع نفسه في اجواء مدينته السماوة .

اذا نحن امام لازمة وثائقية تتكرر بهذا الشكل او ذاك في عدد من الأفلام الوثائقية العراقية .

في هذا الفيلم الذي صنعه هذا الشاب الواعد "علاء محسن" البالغ من العمر 22 عاما بأمكانات بسيطة وبدعم دنماركي من خلال شركة بي يو فيلم وبتكلفة تقدر بمئة الف دولار امريكي، يذهب الى محافظة الديوانية لملاقاة امه واقاربه هناك حيث تكون الحياة مزرية اكثر واكثر ، الطرقات المتربة المحطمة والمباني المتهالكة والمعاناة اليومية للناس في صيف لاهب يكتوي الناس بحرارته في ظل الأنقطاع المستمر للتيار الكهربائي ومايلبث الشاب ان يقطع وتيرة الأحداث ليروي من وجهة نظره مايجري وهو الذي يتحدث الدنماركية بطلاقة .

في مدينة الديوانية تتجسم فواجع اخرى ممثلة في عادات زيارة المقابر وتفقد الأحبة من ضحايا العنف المدفونين في مقبرة وادي السلام في النجف حيث اكبر مقبرة في العالم .

وهناك يترحمون على ارواح اعزائهم ومنهم عم ذلك الشاب الذي يقضى بعد عدم حصوله على اللجوء في الدنمارك ليعود الى العراق وحيث يجد قدره يتربص به وفي انتظاره حيث يختطف ويقتل .

مايتطلع له الشباب العراقي ومايحلمون به يتجلى في حديث ابن عم الشاب :المخرج ، المصور الراوي الذي يحلم بالهجرة بعد تحطم الآمال في حياة طبيعية في داخل العراق ، وطريفة هي تلك الأحلام فالشاب يروي قصته وهو الشاب اليافع :انه عمل في شتى المهن ، بائعا وجنديا وسائقا وغير ذلك وكلها لم توفر له الحياة التي يحلم بها ولهذا لا يجد بديلا امامه غير الهجرة .

يجري ذلك الحوار كله على سطح المنزل في عتمة الليل حيث يدفع انقطاع الكهرباء الى لجوء العائلات الى النوم على سطوح المنازل .

لكن التحول الجذري في حياة الشاب يقع عندما يفقد والدته التي يفترض انها ستعود معه الى الدنمارك وهو حدث مؤثر للغاية بالنسبة له .

ثم يتبع ذلك تطور تلك التراجيديا الى تأبين الأم ودفنها وسط بكاء وعويل الشاب واقاربه .

مقتربات اخرى

يحمل الفيلم شحنة قوية من الشجن الذي يتراكم في عقل المشاهد العراقي والعربي من كثرة المآسي والخراب الذي عاشه ويعيشه المجتمع العراقي في ظل ما صار يعرف عالميا بالدولة الفاشلة .

في هذه الدولة الفاشلة لم يبق من آثار الأحتلال الا خراب متفشي في كل مكان وحزن مقيم وحياة محملة بالمشاق والصعاب.

ولهذا ربما كنت وقائع الفيلم تبدو معتادة بالنسبة لمشاهد غربي وحيث الفيلم من انتاج دنماركي اما بالنسبة للمشاهد العراقي وحتى العربي فالمسألة تبدو ثقيلة الوطء من كثرة المشاهد النمطية المنطبعة في عقله المشاهد .ولعل هذا يقودنا الى وجود احساس بالرتابة حاول المونتاج التخلص منها الى اقصى مايستطيع لكن المسألة كانت برسم الأخراج وعمل المخرج الذي اراد لفيلمه ان يكون بهذا الشكل .لكن الملفت للنظر هو ان المخرج الشاب يصرح مرارا ان موضوع فيلمه هو البحث عن الهوية اذ يصرح في احدى المقابلات التي اجريت معه ابان انعقاد المهرجان قائلا :" لقد كنت ابحث عن العراق الذي بداخلي وعن هويتي لأني ظللت بين احاسيس متناقضة واتساءل دائما : من انا ؟ ، هل انا دنماركي ؟ رغم ان لهجتي ومظهري يعرفان الجميع اني عربي عراقي لذلك قررت الخضوع لرغبة امي في العودة الى العراق للأجابة عن الأسئلة التي حيرتني لسنوات طويلة ".

لايتحمل الفيلم بعد سرد الوقائع من وجهة نظر شاب قادم من الدنمارك كثير من القراءات لاسيما وانه يؤكد مرار وتكرارا انه قادم من الدنمارك وانه يعيش في الدنمارك ثم يجعل امه قبل وفاتها ان تردد هي الأخرى انها تشكر الدنمارك وحكومة الدنمارك لأن هذا البلد اواهم وساعدهم وقبلهم كلاجئين تحت وطأة الظروف القاسية التي عاشوها .

وكان من نتائج استطرادات المخرج الشاب الذي لما تنضج تجربته وادواته بعد انه شتم العراق اكثر من مرة وتلك الشتيمة لم يكن لها مايبررها لامنطقيا ولا انسانيا ، ومسألة الجرأة على الناس والأستهانة بمشاعر شعب بكامله لم تكن بالأمر اللائق ولا الصحيح مهما كانت اسبابه التي تبدو ساذجة الى حد كبير وهو مااثار حفيظة الكثيرين . ولاادري ماهي الفائدة التي جناها هذا المخرج الشاب من اطلاقه تلك الشتيمة التي ربما صدرت منه وهو في وضع نفسي مترد ابان وفاة والدته ولكن ذلك لايبرر الأصرار على ابقاء تلك الشتيمة النابية .

من جهة اخرى لاشك ان ثمة اعتبارات تحسب لهذا الشاب الواعد ومنها بساطة طرح الموضوع وعدم تكرار كليشيها ت الصور والمقابلات الشخصية وترك الشخصيات على عفويتها من جهة ومن جهة اخرى استخدام الحركة المهتزة وعدم ثبات آلة التصور في القسم الأعظم من المشاهد وقد بدا هذا الأستخدام مقنعا تماما بسبب دخول الشخصية ذلك العالم القلق الذي التبست مسبقا معالمه في ذهن ذلك الشاب وهو يزور العراق للمرة الأولى بعد سنوات من الأغتراب وحيث لم يبق من العراق في ذهنه الا صور متداخلة شاحبة تعود الى سنوات الطفولة البعيدة .

ويحسب للفيلم المونتاج المتقن واستخدام الموسيقى التصويرية التي جاءت بالتوازي مع السرد المباشر للشخصية وهي تروي يومياتها .

واذا توقفنا عند المونتاج ووجود المشاهد الزائدة ، يمكننا تشخيص بعضها ومنها ثرثرة العجوز اي الجدة ومنها ايضا المشاهد المكررة التي تؤكد عدم وجود الكهرباء وهو ماتشكو منه اغلب الشخصيات بطريقة متكررة .

ربما كان الفيلم في بعض مشاهده اكثر تلبية لدافع الفضول لدى المشاهد الغربي لكنه في الوقت نفسه يكون قد تخطى الى حد ما (الجرعة) المطلوبة والمعقولة من المادة التراجيدية والكئيبة التي طبعت وتطبع الواقع العراقي منذ الأحتلال وحتى اليوم .

تكرار المعالجات لاتخدم المخرج العراقي

وعودا الى تكرار المعالجات في عدد من الأفلام الوثائقية مابين قاسم عبد وهادي ماهود وطارق هاشم وهذا المخرج الشاب والواعد فمن المؤكد ان لكل منهم معالجته الفيلمية المختلفة عن الآخر لكنهم جميعا يلتقون في نقطة مشتركة واحدة ومهمة الا وهي فكرة عودة المغترب الى العراق وكيف آلت اليه احوال الناس والمجتمع وكلهم ايضا وكتحصيل حاصل يكون اقاربهم بانتظارهم لكي يطلعونهم على متغيرات حياتهم وكلهم ايضا يتم الأحتفاء بعودتهم من قبل الأهل والأقارب وكلهم يبدأون في تفحص الوضع السائد بمساعدة اقاربهم واهلهم اللذين يصحبونهم الى اماكن عدة من بغداد وخارج بغداد في بعض الأحيان .

لست اختلف كثيرا مع هذا النوع من المعالجة الفيلمية الوثائقية بل انني ارى ان هنالك مشاريع افلام اخرى ستأتي ربما لن تخرج عن هذا الأطار ولكن بشرط ان تحاول التخلص من الكليشيه في المعالجة وان لاتكرر بعضها البعض ولا تردد الأفكار نفسها .

ولعلها مسألة معتادة من وجهة نظر المغتربين انهم يريدون اعادة اكتشاف بلدهم الذي فارقوه لسنوات وماذا جرى من احداث ومتغيرات منذ مغادرتهم له وحتى عودتهم اليه ولكن النقطة المهمة سترتبط بمقتربات المعالجة الدرامية للموضوع والتي تعبر عن وجهة نظر كل شخص على حدة .

من هنا صرنا امام شكل واقعي يحاكي التحولات الدراماتيكية التي طرأت على الواقع العراقي بعد العام 2003 وتلك مسألة ستحيلنا مباشرة الى فكرة العنف المصاحب للحياة العراقية بعد العودة الى الوطن والعنف يتكرر في ثلاثة افلام عراقية على الأقل ففي فيلم قاسم عبد يتم اختطاف شقيقه في اثناء توثيقه للأحداث وفي فيلم هادي ماهود يتجلى العنف في نزعات الحركات والأحزاب السياسية التي تحمل السلاح وفي هذا الفيلم يتجلى العنف في اختطاف خال المخرج نفسه والتي تنتهي بتصفيته .

عنف وبكائيات

من المؤكد ان ثيمة العنف في الأفلام الوثائقية العراقية تحولت الى لازمة تتكرر لاسبيل لمخرجي هذه الأفلام للتخلص منها او بمعنى آخر تجاوزها ، لكن الفارق في المعالجات الفيلمية يكمن في كيفية تقديم صورة العنف وتأثيره والأبتعاد عن البكائيات والرتابة والتكرار التي تقع فيها كثير من الأفلام الوثائقية في كونها تنقل ماتراه وماتعيشه الشخصيات بلا تحريف ولا تعديل لكن المسألة المهمة هنا هي الأجابة عن سؤال : اي واقع نريد ان نقدمه الى المشاهد ؟ هل هو الواقع المختزن في الأذهان الذي طالما قدمته الفضائيات ؟ ام هو واقع مواز يتم فيه تلمس تلك الحياة التي تدب بصبر واناة ومن دون توقف ؟ ام هي تلك التفاصيل غير المرئية التي عجزت الفضائيات ووسائل الأعلام التقليدية من الأقتراب منها او الوصول اليها ؟.

مما لاشك فيه ان جدلا كهذا ينبع من طبيعة الفيلم الوثائقي نفسه لحساسيته ولوجود اعتقاد لدى كثير من الذين يخوضون في هذا الحقل ان هذا الفيلم يتطلب نقل الحقيقة كما هي من دون تعديل ولا تغيير والمحافظة على الوقائع الحقيقية ...مما لاشك فيه ان تخريجا كهذا لايخلوم من الصحة ولكن الأغراق في تكرار ماهو معروف ومعلوم سيوقع الفيلم وصانعه او صانعيه في مآزق لأنه في هذه الحالة سيفقد قسما لايستهان به من المشاهدين الذي يضعف لديهم دافع المتابعة والأهتمام بمايشاهدونه

.......................

المخرج قتيبة الجنابي

الفيلم الفائز بالجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي الرابع 2011..
...."...الرحيل من بغداد" للمخرج قتيبة الجنابي:الذات الهائمة في المنافي تلاحقها صور الماض وآثامه
...طاهر علوان...
..معالجة سينمائية متميزة تخلصت من البكائيات السائدة...
تحضر في ذهني هذه الأيام افكار عن ظاهرة الأفلام العراقية التي صرنا نشاهدها هنا وهناك في المهرجانات وهي لاتزيد على اصابع اليد الواحدة فضلا عن الأفلام قصيرة والوثائقية ، فهذه الأفلام يجد صانعوها انفسهم امام تحديين ومشكلتين اساسيتين ، هما ان ما يقولونه او سيقولونه في افلامهم يجب ان لايكون تكرارا ولا اجترارا ولانسخة مكملة لصور الكوارث والمحن التي عصفت بالعراق سواء في زمن النظام السابق او بعد الغزو الأمريكي لهذا البلد ، ذلك ان وسائل الأعلام وخاصة الفضائيات لم تترك شاردة ولا واردة الا وارسلت كاميراتها وطواقمها لنقلها الى العالم ، ولهذا تعبأ ذهن المشاهد بصور الخراب العراقي وهو يدرك جسامة المحنة وثقل الأحزان التي تفتك بالشخصية العراقية ولهذا يجب الغوص فيما وراء تلك الصورة النمطية وان لايكون الفيلم اجترارا ولا تكرارار من جهة ولا استدرارا لعواطف ومشاعر الجمهور وخاصة الغربي فيعطف على الفيلم ومخرجه وطاقمه فيتحقق الهدف المرجو ..المشكلة الأخرى التي يواجهها صانعوا هذه الأفلام انهم امام واقع صعب ومعقد وخطير ايضا وهو ان ليس من السهل ان تخرج الكاميرا وطاقم الفيلم الى الشارع لغرض تصوير فيلم ما...في ظل هذا كله يأتي فيلم الرحيل من بغداد للمخرج قتيبة الجنابي وهو اول افلامه الروائية الطويلة بعد رحلة طويلة مع الأفلام القصيرة والوثائقية .
والجنابي انسان حالم بمعنى الكلمة ومخلص لمشروعه الأبداعي والأنساني واول ماسيبادرك وانت تلتقي به انه يريد صنع فيلم آخر وآخر ولكنه يحتاج الدعم ...هو بلا دعم ...لايجبد (فن الحصول) على المنح المالية متعددة الجنسيات ، وهو يتحدث عن ذلك ببراءة وصدق ففيلمه ليس عابرا للحدود، هو عاجز عن (شم) رائحة الدعم والتقدم لها ولو كانت في الصين ....هذه مشكلة قتيبة ...الذي لايملك غير كاميرته التي ترافقه اينما حل واقام ...ولهذا هو لن يتوقف عن التصوير والأخراج بتقشف شديد وامكانات تكاد تكون فقيرة..بل انه ضمن نوع المخرجين الذين يعملون من دون ميزانية ..
مختصر القصة
الغوص في الواقع ..ضياع الحلم ...الشخصنة وحب الرموز ..الخيانة وبيع الضمير ..الأغتراب والمنفى ...كل هذه هي مقتربات مهمة للدخول الى هذا الفيلم : طارق (الممثل صادق العطار ) تدرج في ولائه لنظام صدام حسين وحزبه حتى اصبح مصورا خاصا له ، وهو مولع بصور (القائد الضرورة) ووقفاته الشجاعة والكاريزما وكل ذلك تستعرضه ذاكرته من خلال كم من المشاهد الوثائقية من يوميات صدام ، والرجل يستعرض ذلك وهو في مأزق كبير فقد سقط النظام واحتل العراق ، وهاهو المصور يكتب رسالة الى ولده الذي نكتشف فيما بعد انه مفقود في الحرب بينما زوجته تقيم في بريطانيا فيقرر الهرب من العراق خوفا على حياته ورثاءا للماضي السعيد الذي يحن اليه حنينا شديدا حتى تحسب ان الفيلم ماهو الا نوستالجيا وتمجيد لذلك الزمن الغابر ...ويتنقل طارق بين بلدان عدة لانعرفها اذ عمد المخرج على تعويمها وطمسها لنجد انفسنا اخيرا في هنغاريا ، وهناك يحاول العثور على مهرب يساعده في الوصول الى لندن ، وكلما صادف شخصا سأله عن كيفية الوصول الى لندن ، فيتلقى النصائح من هذا وذاك مع تحذير شديد من الوقوع في حبائل المخادعين الذين يأخذون المال ويرمون الشخص على الحدود ...وفي آخر المطاف وبعد اتصالات تلفونية عديدة مع زوجته المقيمة في لندن لكي ترسل له المال ، يعثر على مهرب لكنه يطالبه بمبلغ خمسة الاف دولار هو لايملكها ، فيخرجه من تلك الحجرة التي كان يسكن فيها ، خلال ذلك هنالك من يراقبه ويلاحقه من بعد في سيارة ولانعرف من هو وماذا يريد منه ، لكننا نكتشف ان صورته قد ارسلت الى شخص ما يستدرجه ويأخذ جوازه وينصحه ان يسافر الى بلدة على الحدود الهنغارية حيث من الممكن ان يساعده بعض اقارب ذلك الشخص ويصل الى احد الأرياف ويمضي ليلته في ضيافة فلاح هنغاري ليلاحقه ذلك الشخص ويجهز عليه برصاصة يستحقها لكنه لايموت كما يظهر في الفيلم ، وهو يستحق الموت حقا لسبب هو انه وشى بأبنه الوحيد كونه صار شيوعيا وبدأ يعمل مع المعارضة ضد نظام صدام ، وحرصا منه على الحفاظ على منصبه وامتيازاته في القصر الجمهوري ولكونه مصورا شخصيا لصدام تكون النتيجية انه يقوم بنفسه يتصوير مشهد قطع رأس ابنه بالسيف ..
مابين الروائي والواقعي- الوثائقي
يحرص المخرج منذ البداية على منح فيلمه قدرا كبيرا جدا من الواقعية ، فالتصوير كله يتم في اماكن حقيقية والشخصيات التي ظهرت في الفيلم ليس من بينها ممثل واحد هو ممثل محترف بل اختارهم المخرج من الحياة فضلا عن شحن الفيلم بكم من الصور الوثائقية من وثائق نشاطات صدام اليومية ومشاهد الجلد والتعذيب ، هذا كله دافع عنه المخرج بأصرار ، انه كان متعمدا اتخاذ هذا الحل الأخراجي ، ولذلك بدت هنالك مساحة من الفيلم الوثائقي لايقطعها الا التحول في الكشف عن علاقة طارق بالنظام التي اثبت فيها الأخلاص من خلال الوشاية بالأبن .
واذا فرغنا من كون الفيلم ينتمي الى افلام الطريق فأن المخرج عمد الى التنويع على الموضوع من خلال اثارة موضوع المنفى والتشرد والضياع الذي تعيشه الشخصية التي فقدت الجاه والسلطان واذا بطارق لايكاد يملك قوت يومه .
يمزج المخرج خطوطا عدة مع بعضها ملمحا لموضوع المعارضة الشيوعية متخذا موقف الدفاع غير المباشر عن اليسار العراقي في تصديه للنظام السابق ومن جهة اخرى يمزج ذلك بملمح انساني في حنين طارق لأبنه وهو حنين فطري لكنه يبدو فجا وساذجا عندما يري صورة الأبن للكثيرين ، اذ لا يستقيم ذلك مع تعمده الوشاية به ثم الحنين اليه .
ومن وجهة نظر شخصية لم اكن متفقا مع اختيار المخرج لممثل لم يقف يوما ممثلا محترفا امام الكامير ، كان بحاجة الى ممثل اكثر حرفية وخبرة ، ثم تلاحظ الغياب التام للمرأة التي لم يكن لها دور يذكر في الفيلم وكان بالأمكان لصداق ان يلتقي امرأة في رحلته الطويلة لتمنح وجها آخر للأحداث كما اني لست متفقا مع المخرج في مسألة تعويم المكان في اثناء تنقل الشخصية الهاربية بين البلدان...نقاط وجدت الأشارة اليها ضرورية من دون ان تنال من الفيلم وجهد المخرج شيئا.
استدرار العواطف والتراجيديا التي تتكرر
واضح جدا عدم سقوط الفيلم في معالجته واخراجه في ماسقط فيه آخرون عندما قدموا افلاما او تمثيليات تلفزيونية لذرف الدموع واستدرار عواطف المشاهدين الغربيين خاصة ، وعدم الأمعان في العزف على وتر الفجيعة ، بل انه عرض بموضوعية من خلال طارق الذي هنالك من سيحبه ومن لايحبه ، عرض من خلاله واقع اولئك العراقيين الذين يتنقلون من منفى الى منفى ويبحثون لهم عن بقايا حياة آدمية خاصة بالنسبة لطارق فهو كمن يريد التخلص من ذاته ، لكنه لم يظهر ولا في مشهد واحد مع نفسه وهو يشعر بوطأة تأنيب الذات تجاه مااقترفه تجاه ابنه وهو تجنب آخر للبكائيات وتحريك العواطف ، فهو اراد من طرف خفي محاكمة مرحلة سابقة وراهنة ، فطارق العاشق لصورة قائده (الرمز ) مثله مثل آخرين يهيمون بذلك العشق سواء قلوا او كثروا متجاوزين او متجاهلين كل الكوارث التي حلت بالعراق وكأنها جاءت من المريخ ومن دونما سبب في فتح الأبواب الما آلت اليه الأمور ..
فضلا عن ظاهرة غير مسبوقة انسانيا وتتناقض مع الضمير والفطرة السوية الا وهي الوشاية بأقرب الناس وهو فعل تكرر من نساء قمن بالوشاية بأزواجهن او اخوانهن او رجال وشوا بأبنائهم او العكس ..وكانوا يحصلون على اكراميات في مقابل قتل اولئك الذين وشوا بهم ، وطارق فضل الأمتيازات التي يتمتع بها حيث يعمل في القصر الجمهوري على اي شيء آخر .
الصوت الخارجي والحوار
لعل من اجمل مالجأ اليه المخرج وهو كاتب السيناريو ايضا هو لجوءه الى الصوت الخارجي عند كتابة رسائله لأبنه (voice over( فهو منح الفيلم مسارا سرديا مميزا فمن جهة رسخ الأيهام لدى المشاهد بأنه مجرد حنين من اب لأبنه وبذلك قاد المشاهد الى تتبع ما سجري لاحقا ومن جهة اخرى قدم معالجة منطقية لما سيلي من الهجرة وترك الديار في المقابل كانت الحوارات المتكررة لطارق مع زوجته عبر الهاتف ، وقد ذكرت للمخرج المبدع قتيبة الجنابي هذه النقطة وكذلك تحدثت مع المونتير الأنجليزي "وايت تيجر" وتمنيت لو ابتدأ فيلمه بعد المشهد العام لبغداد الصوت الخارجي لكتابة الرسالة بدل المحادثة التلفونية .
..............
لاشك ان كل ماذكره المخرج من مكابدات ومصاعب واجهته لأنجاز فيلمه واضحة ، وهي لم تنل من صبره واصراره على انجاز الفيلم ، فقد انجزه معتمدا تماما على امكاناته الذاتية في ميزانية متقشفة جدا ، ولم يحصل الا على دعم بسيط من مهرجان دبي السينمائي ساعده على اكمال المراحل الأخيرة ، لكن الفيلم مازال يحتاج الى ان ينقل الى نسخة 35 ملم وهو مايسعى المخرج جاهدا للوصول اليه من خلال تمويل هذه المرحلة من جهة ما .
............قتيبة الجنابي الذي تميز مصورا ومخرجا للأفلام القصيرة هاهو يطرح نفسه مخرجا واعيا وناضجا في هذا الفيلم الذي يفتح له افقا جديدا في مجال السينما الروائية نتطلع الى ان تتجذر اكثر وان يجد السبيل الى تمويل كاف لفيلمه المقبل لكي يتجاوز اي مشكلات ومصاعب فنية .
..........فاز الفيلم عن جدارة بالجائزة الأولى لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الخليج السينمائي الرابع الذي اختتم مؤخرا في دبي.


شيء ما

عن تجربة المخرج "طارق صالح"...

الشخصيات الأفتراضية في حياتها الواقعية...

طاهر علوان...

ربما نكون امام تحولات ملحوظة ومهمة على صعيد ادماج الصور المتحركة مع الصور الواقعية ، بمعى ان تكتسب الصور المتحركة اشكالا واقعية و تجسر الفجوة مابين تلك الحياة في الصور المتحركة مع صور وملامح الشخصيات والأماكن في حقيقتها الواقعية ، ربما يكون ذلك في حكم تحصيل الحاصل نظرا للتطور التقني الهائل في استخدام برامج الكومبيوتر وبرامج التصميم والرسم بشكل خاص التي صارت تقدم يوما بعد يوم نتائج مذهلة ومتقدمة لم تكن في الحسبان ولم يكن احد ليتوقعها وهي تتسارع في كل يوم .

لكن المسألة لاتكمن في الأنجذاب للجانب الشكلي من الموضوع بمعنى الأعجاب بالأشكال وجمالية

التصميم الذي ربما يستهوي قطاعا عريضا من متابعي هذا التطور ولكن المسألة تتعدى ذلك الى ماهو ابعد ، الى الوصول الى المستوى الذي تتمكن فيه

الصور المتحركة من الأفصاح عن دواخل الشخصية ومشاعرها وردود افعالها ونقل الجو العام المحيط بها وهذه

كلها تتكامل في شكل جديد من الأدماج مابين الشخصيات الحقيقية والشخصيات الأفتراضية والخيالية .

وتبرز تجربة المخرج والمصمم والرسام السويدي من اصل مصري (طارق صالح ) من بين التجارب الرائدة في هذا المجال ، لاسيما وانه تنقل من الرسم والتصميم والتلفزيون الى السينما والى الرسوم المتحركة وكل هذه الحصيلة تراكمت عنده في سن مبكرة في سنوات عيشه في السويد حتى عد اليوم واحدا من ابرز الفنانين السينمائيين السويديين والذي تجد اعماله رواجا واهتماما كبيرا في المهرجانات الدولية والعروض العامة .

تجربة طارق صالح ثرية ومتعمقة في صنع الشخصية وفي السيناريو المتقن ، وهو يعمل على تجذير شخصياته ومنحها عمقا وفاعلية ، فهي حتى وان كانت افتراضية فأنها ابنة بيئتها وتحمل هما انسانيا واقعيا ، وبموازاة ذلك يعنى طارق صالح بطرح شخصياته بشكل مبتكر في مجال الرسوم المتحركة فهي شخصيات تتميز بملامح واقعية تماما حتى انك لاتستطيع فصلها عن الوجوه الحقيقية او الأفتراض انها مجرد رسوم متحركة .

ويحرص المخرج ايضا على ان تكون رسالته متكاملة ومتعددة المعاني ، تنطوي على غزارة في الوعي والفعل ، وهو تحوط مقصود بقصد ان تقترب الشخصية الفيلمية اكثر واكثر من المشاهد فيتفاعل ويتعاطف معها ويجد فيها مايؤهلها لأن تكون وتحيا نابضة بالحياة .

في تجربة طارق صالح ايضا غوض في اشكالات متعددة وعلاوة على ذلك السعي لأن يكون الشكل المعروض على الشاشة ، شكلا منحوتا من الواقع ، وفيه كثير من ملامح الواقع وكذلك فيه ملامح من الحياة الأفتراضية ، مما تجود عليه موهبته في التصميم والرسم واستخدام برامج الكومبيوتر المتقدمة ثلاثية الأبعاد وهي من دون شك مهمة ليست سهلة ان تصل بفيلم روائي يستخدم هذا الأدماج مابين الشخصيات الأفتراضية والحقيقية ومعالجتها من خلال افلام الرسوم المتحرك هو تحد كبير لاسيما عندما يطرح فيلم بهذه المواصفات ليعرض في المهرجانات المعتادة التي تتسابق فيها الأفلام الروائية الأخرى .

فيلم ميتروبيا

في فيلمه الأحدث (ميتروبيا ) يخوض طارق صالح تجربة جديدة من خلال طرح نوع من الأفلام المستقبلية فيما يشبه الخيال العلمي المدمج بفكرة واقعية ، ففي هذا الفيلم تقع الأحدث في اوربا المستقبلية ، وفي عالم سينفد البترول منه عما قريب ولنتخيل عالما بهذا الشكل ، اوربا بلا بترول سترتبط ببعضها البعض بشبكات معقدة من المواصلات خاصة قطارات الأنفاق ، هذه الشبكة ستتحول الى اخطبوط عملاق من الصعب الأحاطة به ويشعر المرء بالعجز عن ان يجد مكانه وسط تلك الدوائر المتلاحقة من شبكات النقل المرتبطة بنظام الكتروني متطور .

وكلما دخل (روجر) – الشخصية الرئيسة في الفيلم ، كلما دخل هذا النظام المعقد ، شعر وسمع اصواتا لغرباء يهمسون في اذنيه ولا يجد روجر حلا الا بالبحث عن شخص مايجد له تفسيرا ما لهذه الأصوات وماهي ومن اين تأتي ؟ وتكون نجمة الأعلانات والشخصية الأقرب الى لغة العصر التكنولوجي هي الشخص الأنسب الذي يمكن ان يجبيب روجيه على تساؤلاته ، وبدلا ان تتكشف له حقائق تلك الشبكة الغرائبية فأنه يجد نفسه كلما غاص عميقا في ذلك العالم التكنولوجي مع نينا يجد ان المسألة تزداد تعقيدا ، وهو في كل الأحوال ليس بالشخصية الودودة ولكنه انسان بسيط وحائر فيما يجري حوله ، عالمه يزداد اضطرابا وتعقيدا وحياته الزوجية تتميز بالبرود والرتابة ، ولعل الشيء الوحيد المهم بالنسبة له هو اعادة اكتشاف ماحوله ولهذا تراه يركب دراجته ويجول في عالم مقفر انقطعت فيه خطى الناس ولم يبق الا هو في ذلك العالم المجهول فيما هو يجول المكان على دراجته الهوائية دون جدوى ،وبموازاة ذلك فأن هذا الشخص القلق يجد نفسه منذ الوهلة الأولى منجذبا الى امرأة واحدة هي نجمة الأعلان التي تروج لنوع من الشامبو وبالرغم من انه حليق الشعر الا انه يصر على شراء واستخدام ذلك النوع من الشامبو الذي يمتزج مفعوله مع ولعه بالتطلع الى صورة نينا الفاتنة ،فهو شامبو نينا التي يعجب بها ، وتبقى صورتها وظهورها على الشاشة عالقا في ذهنه متخذا شكلا اقرب الى الخيال منه الى الواقع ، فكيف اذا تمثلت نينا امامه ، كائنا حيا ، كنقطة ضوء في عتمة تلك الشبكات الهائلة من خطوط الميترو ، اجل هي هناك وسط الضجيج ، واذا به بالقرب منها يكلمها وتكلمه بعد ان يلاحقها وتكتشف ملاحقته لها ويعترف هو بذلك لتقرر انها ستغير حياته رأسا على عقب، وذلك عندما يكتشف ان الأصوات التي ترن في رأسه وتخبره بما يفعل ومالايفعل وترافقه في حياته اليومية هي ليست اوهاما او اصواتا متخيلة بل هي اصوات حقيقية ، وتصدر عن شخص واحد ، يرسل صوته عبرمجسات خاصة وذلك عن طريق التأثير الذي يسببه الشامبو الذي تروج له نينا اذ تتحول الشعيرات يفعل ذلك الشامبو الى مجس يتسلم ايعازات من ذلك المصدر تحثه على فعل اشياء وكذلك تحثه على مزيد من الأستهلاك والأدمان على شامبو نينا وهي مؤامرة تقودها نينا وابوها وشكرات كبيرة .

الرسوم المتحركة لم تعد للأطفال فحسب

هذه الخلاصة تجيء من اوراق مهرجان السينما الفانطازية في بروكسل في دورته الثامنة والعشرين تعليقا من لجنة النقاد على فيلم المخرج طارق صالح الذي عرض في المهرجان حيث شاهدناه هناك ، فهذا الفيلم يخرج الرسوم المتحركة حقا من نمطية المشاهدة التي جعلتها نوعا قريبا من عالم الطقولة بعيدا الى حد ما عن عالم الكبار ، لكن ميروبيا في نظر الكثيرين هو فيلم كافكوي يقترب من علم كافكا في مسخ الشخصيات وانسحاقها تحت وطأة الواقع فالشخصيات في فيلم طارق صالح تعيش غاليا في اقبية وكل شيء تقريبا مغلف باللون الرمادي والناس تعيش في عوالم منفصلة ، انها اوربا 2024 ، التي تسيطر عليها ثقافة الأخ الأكبر ، النظام الأستهلاكي الذي يتسلل الى عقل الفرد من خلال نزعة الأستهلاك بل انه ابعد من ذلك انه يقترب من تخوم عالم جورج اورويل ويطلق نوعا من افلام الرسوم المتحركة التي تحاكي الواقع الأنساني وتقدم لنا شخصيات متأصلة بالواقع ولكنها تعيش فصاما مريرا وعزلة وقلقا في مجتمع غاب عنه الكثير من الحب والأمان والراحة وسيطرت عليه مسحة رمادية كئيبة غلبت على الأماكن واحاطت بالشخصيات .

يوظف طارق صالح هذه التقنية مستخدما الصور الفوتوغرافية ويلتقط وجوها من الحياة ، من الشارع ، باستثناء الممثل (اليكساندر سكارسجارد ) الذي ظهرت شخصيته على الشاشة مأخوذة من شخصيته ووجهه الحقيقي ، ولاشك ان كل شيء ماعدا ذلك يستفز المشاهد ويبعث في داخله تساؤلات عدة تتحدث عنها الناقدة "ناتاشا سينجانوفك" في مجلة (هوليوود ريبورتر) قائلة ان ما يثير اشكالا في هذا الفيلم على الرغم من كل مافيه من مقومات وعناصر النجاح هو حبكته ، فهي حبكة اقرب الى الروح الروائية من خلال عرض وجهات النظر والتفاصيل ابتداءا من طريقة بناء ومعالجة شخصية روجر ، الشخصية الرئيسية الأشكالية في الفيلم هذه الذي تستنبت ( مايكرو جيبس ) في دماغه دون ان يدري لغرض السيطرة عليه وتوجيهه نحو مايريده مصممو ذلك النظام في السيطرة على افكار وتوجهات الآخرين .

بموازاة ذلك وايضا بالرغم من العناصر العديدة التي انجحت الفيلم الا ان ردود افعال الشخصيات ربما لم تكن بالصورة التي يفترض ان تكون عليها حيث سارت على وتيرة ونمطية واحدة متكررة ولم يكن هنالك من تحول رافق تحولات الشخصيات ، فاكتشاف روجر لسر الصوت الذي يصرخ في رأسه لم يرافقه تحول في الشكل الفني ، في التصميم ، في الأضاءة في افعال الشخصيات فضلا عن ان هنالك من يعيب على الفيلم استخدام اللغة الأنجليزية بلكنة امريكية لجميع شخصيات الفيلم مع ان الفيلم سويدي ولاتدري ماهي اسباب هذا الأستخدام وماهي اهدافه .

عن طارق صالح

هذا المخرج كما يشير موقع (اتمو) السويدي هو من مواليد السويد (1972) وينحدر من اصل مصري ، واخرج حتى الآن العيديد من الأفلام التي حصدت الجوائز وخاصة مع بداياته مع الفيلم الوثائقي وتعد مؤسسة ( اتمو) من المؤسسات الرائدة في السويد في مجال انتاج الرسوم المتحركة وطارق صالح هو احد مؤسسيها وسبق له ان اخرج وانتج وصمم العديد من افلام الرسوم المتحركة القصيرة .

بدأ طارق صالح حياته رساما كرافيتيا ودرس الفن في ستوكهولم واخرج المجلة السينمائية الوثائقية (Alive in Cairo) عام 1995 .

ثم نشر مجلته باللغة السويدية (اطلس) .في سنة 2001 . اخرج مع ايريك جرانديني فيلما عن موت تشي جيفارا وفي العام 2003 اخرج لصالح التلفزيون السويدي مسلسلا دراميا (حلم فريق العمل ) .واستمر بالعمل في هذا الحقل اذ شارك مع المخرج السويدي فريديرك لندستروم في انتاج اعمال اخرى ونال سنة 2007 جائزة احسن عمل تلفزيوني ثقافي من التلفزيون السويدي وهو معروف بكونه مخرجا تلفزيونيا ومعدا ومؤلفا وايضا محاورا جيدا على الشاشة .لكن عشق طارق صالح للرسوم المتحركة دفعته الى جانب اخرين الى تأسيس مؤسسة ( اتمو) المتخصصة بأنتاج الرسوم المتحركة والتي انتجت العديد من افلام الرسوم المتحركة القصيرة.

"ميتروبيا " هو آخر واحدث افلام طارق صالح وشارك في العديد من المهرجانات في اوربا وآسيا وامريكا والشرق الأوسط ومازال يطوف المهرجانات.

يمكنكم مشاهدة مقدمة فيلم " ميتروبيا " ولقطات منه على هذا الرابط:

http://www.atmo.se/film-and-tv/metropia/..

ويمكنكم معرفة المزيد عن طارق صالح ومؤسسة اتمو على هذا الرابط

http://www.atmo.se/about/tarik-saleh/


الواقعية السحرية في افلام المخرج اريك رومر...

فيلم (حكايةالخريف، 1998) انموذجا....

فيونا أي . فيليلا...

...Viona A.Villella

فيونا اي فيليلا تعمل محررة مشاركة في موقع احاسيس سينمائية وناقدة سينمائية مقيمة في ملبورن – استراليا....

ترجمة د.طاهر علوان

(لقد اعتاد المشاهد و لمدة طويلةعلى ترجمة الإشارة البصرية، وإلى استخراج حقيقة مفادها : لماذا كل صورة هناك لها القابلية على تقييم الواقعية البسيطة.)

إيريك رومر

قدم فيلم حكاية الخريف، شخصية ماكالي Magali (بياتريس روماند ) وهي تشرح لصديقتها القديمة إيزابيل (ماري ريفيير ) نوع العلاقة الحميمية التي تربطها بحقول الكروم . كانت ترسم تضاريس الموقف كما لو كانت ترسم بريشة فنان، تحترم وتعبر عن خواص الطبيعة ، وخلال هذا بدت رافضة ومعارضة ان تتحول تلك العلاقة بالمكان الى علاقة عمل او تجارة بينما الواقع يحتم ان يستغل المكان من اجل عملية صناعية فضلا عن التصدير الذي ترتبط بالمنتوج الزراعي .

الشيء نفسه يمكن ان يقال عن المخرج اريك رومر وعلاقته بالواقعية والتي تتمثل في صناعته للفيلم . ومن المنطلق الشكلي والأسلوبي فـأنه لم يفرض وجهة نظر او تفسير محدد من خلال الأفلام التي انجزها كما انه يتصنع احساسا او زمنا .في مقابل هذا وجدنا رومر وقد راقب بدقة شخصياته وحالاتهم بطريقة مستقلة او منفصلة ، محايدة ،بسيطة وجديرة بالأحترام .

لقد تعامل رومر مع الواقع من اجل ان يولد ايقاع من ذلك الواقع ، تأثيره و تعقيداته وكل ذلك من اجل اكتشاف وتقديم الجمال وروحه الكامنة .لقد كانت ميزة افلام رومر انها افلاما آسرة للمشاهدين وذلك من خلال طابعها المادي والحسي عبر تلك الواقعية الفيلمية اصوات زقزقة الطيور ، لعبة الظل والضوء وانعكاساتها على وجه روسين ( الممثلة اليكسيا بورتال ) في فيلم حكاية الخريف ، إبتسامة إيزابيل في تلك اللحظة وكأنها يعاد اكتشافها ، ثم اثر الريح المتدفقة وهكذا. هذه لحظات هي لحظات "واقعية سحرية".

ان حالة المخرج رومر هي فريدةُ حقا . بالرغم من أن خبرته كانت قد بَدأتْ بين متطرفي الموجةِ الجديدةِ في السينما الفرنسيةِ، فأن رؤيته المحددة وخاصة كلاسيكياته المقترنه بأسلوبه الشفاف في صناعة الفيلم كانت مختلفة كليا عن اساليب اقرانه السينمائيين . لقد كانت افكاره السينمائية اكثر قربا من افكار اندريه بازان (وهو كان مقاربا له في العمر ايضا ). خلال الستّينات و' السبعينات وهي حقبة الحداثة المتعسكرة ، لم يكن رومر يخشى ان يتحول الى مجرد مخرج كلاسيكي . وكما قال يوما في مقابلةأجريت معه في سنة 1971: سؤال : - "ماوجهة نظرك عما يجري للفيلم الآن ؟ هل تعتقد بأن نوعا جديدا مِن السينما سيأتي إلى الوجود؟ الجواب : "بالنسبة لي ان ماهو جديد حقا هو تلك الأفكارِ التي لاترتبط بزمن ".

في بيان مشهور كشف رومر عن رؤيته للسينما : "ليست السينما كما ستنتهي او تؤول بل بكونها تعبر عن وسائل ". ان تقنيات السينما،هي اولا و قبل كل شيء، لها قابلية فريدة لإعادة إنتاج الحقيقةِ بشكل دقيق مع ذلك فأن هذه الرؤيةِ تتقاطع مع وجهة النظر المحافظة والجوهرية تجاه العالمِ، انها تمرر أسلوبا متفردا في صُنعِ الأفلام. ان ميزة رومر انه إنساني ومعتدل؛ تعرض افلامه نقاطَ الضعف، التشويش، عدم استقرار الشخصيات كلحظات "صغيرة" ولكنها تقدم بطريقة غير مألوفة .

في مقابلة اخرى ضمن مائدة مستديرة مَع عدد من النقاد ، يؤكد رومر ارتباط الواقعية التي يؤمن بها بمرحلة الفيلم الصامت وتحديدل بأعمال لوميير .

يقول : من خلال هذه الأفلامِ فقد بقينا مع بإنطباعِ اننا نرى العالم بعيون مختلفة . انها افلام تجعلنا نتعلم كيف نعجب بأشياء لم نكن نعلم بها وكيف نعجب بها في اشكالها الأصلية .الناس تسير في الشوارع ، الأطفال يلعبون ، القطار يسير ، لاشيء غير معتاد لكن هذا هو مدخل الأحساس بالدهشة وهي في قناعتي المسألة الأكثر اهمية " .

اضافة الى ذلك كان رومر يُؤمنُ بالجمالِ الضروريِ للعالمِ ومثل هذه اللحظاتِ "العاديةِ"، هي الطريق التي يصور من خلالها هذه اللحظاتِ إلأستثنائيةُ. بواسطة التأطير و والقطع الدقيقِ، لفت إلأنتباه إلى لعبة الضوءِ الطبيعيِ ، تصميم الصوت الذي يندمج بنص بأصوات الحياة الحقيقية . أفلام تحرك فينا دهشة المشاهدة حقا .وكما هي الموسيقى، فأنك ترى الشخصيات وهي تتحرك برشاقة، وبشعور عميق وعاطفةِ تتوارى خلف المظهر الرسميِ.

بالرغم من أن الفلمِ والموسيقى يتشابهان في التركيبِ والتأثير، الا ان قوانينهما تختلفُ بشكل جذري. ان السينما بأعتبارها فنا ادائيا ، فأنها تمتلك قوتها من خلال فعل الأكتشاف وعرض الحقيقةِ في صلابتِها وقوتها المادّيه.وعند المخرج رومر نجد ان بناء المشهد السينمائي يتضمن اعادة تقديم القصة من خلال اية وسائل مادية ، المظهر الفيزيائي للشخصيات ، كلماتهم ، نغمات اصواتهم فضلا عن التأطير والمونتاج .

السينما حتى في الأفلام الروائية هي اداة للأكتشاف ،ولأنها شاعرية فأنها تكشف المزيد ، ولأنها تكشف فأنها شعرية .

ومما لاشك فيه ان اهتمام رومر وحرصه على تقديم الأشياء كما هي فأنه يبعد تأثير التقنية التي تؤثر في صنع الميلودراما ( لهذا فأنه لايستخدم الموسيقى في افلامه ) وأية تقنيات يمكن القول انها تفرض وجهة نظر على واقعية رومر ، ان سمة الوضوح والتماسك في رؤية رومر قد اوجدت سينما أسطوريةَ مبكّرةَ فضلا عن الظهور الأولَ للعالمِ الذي تمت اعادة إنتاجه ميكانيكياً؛ ان الأنطباع الأول لإنتقال الأجسامِ عبر المكان ؛ السحر في التَأْطير والأقتراب من الحقيقةِ؛ كل هذا يقود الى التساؤل العجيب الذي يظهر على السطح في كلّ يومِ وعن الذي يجري تصويره واعادة انتاجه من خلال الضوءِ والزمان والمكان .

على نقيض هذا كله نجد ان رومر يمزج ( ويحقق موازنة بين مايمزج ) ، يمزج واقع صناعة الفيلم ببعده النصي والمادي - والمحصلة هي ايروتيكية الواقع .. ومع السرد الهوليوودي الذي يتميز بالشفافية . إنّ الميلَ الى ماذكرناه آنفا صار سائدُ جداً في آخر عرض لحكاية الفصول الأربعة من ( حكاية الخريف 1998 ).

على خلاف فيلم حكايةِ الصيفِ (Conte d'ete، 1996) وأفلام سابقةاخرى له ، فأن رومر لايبني القصة على ايام قد خلت ، وحيث يعلن عن ولادة يوم جديد من خلال العنوان الثانوي ، الذي لَه دور في تَصعيد التأثير "الأنثوغرافيِ"هذه الأفلامِ. في فيلم حكاية الخريف هنالك القطع المونتاجي والأحداث جديرة بالأهمية . مع ذلك يَبقى الأحساس "ألأنثوغرافي جديرا بالأنتباه وذلك على مستويات الصوتِ والصورة، وعلى مستوى تفصيلات الزمان والملمس وطبيعة الشخصِية.

وامتدادا للطبيعة الأنسانية التي تتميز بها افلام رومر فأننا نلمس وفاءه للشخصية والمكان في تلك الأفلام لِذلك تجده يبني وينظم عناصر مهمة في افلامه مثل :عمر الشخصِية , عرض فترة محددة من حياتِها، التاريخ الذي تقع فيه الأحداث في السنة ، الموسم ، اليوم، الوقت من ذلك اليومِ ثم المدينة والبلد.

فمثلا فيلم حكاية الخريف يركز من البداية على تقديم الموسيقى والغناء للتعبير عن حياة القرون الوسطى .

في بداية الفيلم هنالك الأصوات الواضحة لزقزقة الطيور مع ظهور تدريجي للصور مؤطر بعناية ، ثم لقطات للشوارعِ الضيّقةِ والطويلةِ , ثم ملمس البنايات في تلك المدينة الصغيرة وكلها تزج بالمشاهد في ماهو محدد وآني. ان من هو معتاد على مشاهدة افلام رومر يعلم جيدا ويتوقع انه سيشاهد كل هذا بالرغم من ان اغلب مشاهد الفيلم كانت قد صورت في اماكن طبيعية وحقيقية ساحرة .وهنا لابد من القول ان رومر لاينغمس في رومانسية عالم الطبيعة مطلقا ، ( وماذا ترى بأمكان المرء ان يحدد بالنسبة لصانع فيلم سياسي ) في المقابل فأن مايأسره هو عمليا هو العالم اليومي لشخصياته .

وعلى سبيل المثال، هنالك الإتّصال الفطري بين الفتاة ماكالي ومزرعة الكروم التي تلعب دورا مهما في حياتها ، وحيث تقدم المشاهد في وادي منطقة الراين وحيث شخصيتها الحيوية والصلبة وحيث تظهر وهي في المقدمة دائما ، مسيطرة على اطار الصورة كما لو كانت تسير على النبات بثقة وبلا مبالاة وهي تقود ايزابيل .

في ظل هذا كله سيكون من الصعب التغاضي عن الجمال الفطري للريف وللقرية الصغيرة التي تم بناؤها لأجل هذه القصة فضلا عن الطريقةالعملية للأيحاء بشكل حساس ومتقن للمشاهد في سياق احتفالي بالحياة . حكاية الخريف هي وصية واقعية ذات بعدإنساني , هي إحتفال بالحياة وبكل حالات غموضها وتشوشها . وهناك الكثير مما يقال عن تلك الحبكة البلورية التي تقدم صورة ما للقرون الوسطى ، انها خريف الحياة ، انها الحقبة التي يفترض فيها العالم ان الأشياء في اماكنها الصحيحة ، او يجب ان تكون كذلك ، وحيث هنالك درجة معينة مِن إلأنجازِ والأحساس بالسعادة قد تم بلوغهما ويشعر المرء بالأستقرار لدى بلوغ السنوات الأخيرة من العمر .

وفي كل الأحوال فأن رومر يكشف من خيال ازيائه المعتادة والبارعة عن كل هذا الغموض والشك ، مشاعر الخوف وعدم الراحة لدى شخصياته وهي في منتصف العمر .

ويقدم الفيلم شخصية ماكالي المحنكة صانعة النبيذ وهي تعيش وحيدة ، اولادها وزوجها قد غادروا ، وهي في حواراتها مع صديقتها ايزابيل تكشف عن وحدتها . ومن بين ذلك مشهد متميز اوحى بهذا الأحساس مباشرة تدفق في العاطفة الممزوجة بالألم والأحساس العميق بالوحدة. ولعل الكلمات المتبادلة بين الشخصيات تفصح عن مجموعة من المعطيات : الخط المتتابع للأفكار ، الأيقاع والتأطير ، الأسلوب العفوي والمباشر ، وكل هذا مع مظهر ماكالي القوي والغليظ لتتباين كلها في لحظة واحدة مع الشعور بالأنكسار الممزوج بالرغبة في الأندفاع .

ثم يأتي موضوع ايجاد شريك لماكالي ليمثل القوة الموجهة للسرد والمحور الذي من خلاله تتجه افعال ودوافع ايزابيل وروسين .

ان تردد اصداء شخصية ماكالي من خلال شخصية ديلفين (الممثلة ماري ريفيير ) في فيلم في الحرير الأخضر (1986)،وحيث يتم التعبير عن الأحساس بالوحدة بشكل متحرك و بشكل مؤثّر وشاعري مِن قِبل رومر في إيقاعات تعبر عن لحظات الأحساس بالوحدة. ان الأحساس العميق لدى ديلفين وقد تجسد في الشعاعِ المواكب للحظات الغروبِ - وكان أداء رومر هو الأكثر وضوحاً في هذا الفيلم بالقياس الى باقي أفلامِه. إن التشابهات بين الحرير الأخضر والحكاية الخريفية واضحة في عكسِ رومر الرائع للأدوارِ والشخصِيات من خلال المشاهد المصنوعة بعناية في كلا الفيلمين .

ولنعد إلى فيلم حكايةً الخريفً. فكما تتبعنا إيزابيل في لقائِها مَع جيرالد (ألين ليبولت )، الرجل الذي يرد على إعلانَها، واللقاءات الأخرى التالية ، فأن الدوافع بدت متزايدة ولكنها تثير التساؤل. لقد انفقت مزيدا من الوقت مع جيرالد ثم مع ماكالي ،ورغم ان ايزابيل تظهر وكأنها مبعوث قادم من اجل ماكالي فقد كان هنالك احساس كثيف يربط بين إيزابيل وجيرالد كصديقين لاينفصلان بسهولة .تستشعر الشخصيات بهذه الكثافة : ايزابيل شبه ثملة وفي حالة استرخاء وتعبر عن رغبتها في ان تكون مرغوبا فيها بينما يرتعش جيرالد قليلا وهو بالقرب منها ولقد بدا قلق إيزابيل في اللقطة الأخيرة وتأكيد عدم ركونها للراحة وهي تتساءل "انى لرومر استكشاف كل هذا بتلك البراعة؟" .

وتبدو روزين مثل نموذج مثالي عند رومر مثل كائن يافع ، جذاب الشكل ، يتسم بالبراءة ، لبقة ومهذارة في الحديث عن علاقات الحب ، وهاهي تنذر صديقها معلمِ الفلسفة السابقِ ، بأنّهم سَيرون بعضهم البعض بشكل مؤقت وحتى يعثر هو على إمرأةً أخرى وبعد هذا سيكونون مجرد أصدقاءَ. لقد كان ذلك الفعل الذي يعكس نزعات إيزابيل في موقفِها المقلقِ نحو الحب والرغبة .


حوار مع المخرج النمساوي مايكل هانيكة....

العنف هو الموضوع الرئيس الذي تناولته في جميع افلامي.....

قابلت 7 آلاف طفل لأختار بضعة منهم لفيلمي....

اذا اخترت الممثل الجيد لأداء الدور المناسب له فأن النجاح سيتحقق....

السينمائي هو ذلك الكائن الذي مهمته طرح الأسئلة.....

حاورته : كريس كرابس.....

مايكل هانيكة مخرج معروف على نطاق عالمي وافلامه حصدت العديد من الجوائز في المهرجانات وكان آخرها نيله الجائزة الكبرى لمهرجان كان 2009 وذلك عن فيلم الرباط الأبيض الذي يتحدث عن احداث غريبة تقع في قرية المانية صغيرة قبل الحرب العالمية الأولى مركزا على مفهوم العقاب والعنف وتأنيب الأطفال في قرية خاضعة الى سيطرة صارمة من الآباء والكنيسة وحيث الأذلال على اشده لنساء والأطفال .لقد قدم هانيكة قصة من الماضي ولكنها قصة تتناسب مع المشكلات المعاصرة ولمكانة المخرج وللأصداء التي تركها فيلمه كان معه هذا الحوار :

* هل ان فيلم الرباط الأبيض يشكل امتدادا ام اختلافا عن افلامك السابقة في طرح موضوع العنف والعنف الأجتماعي خاصة ؟

- نعم في هذا الفيلم تحدثت عن العنف , والعنف هو موضوع تناولته في جميع افلامي ، انه جزء مما يجب ان يقوله المجتمع المعاصر الذي نعيش فيه ، ولكني في افلامي السابقة تحدثت بطريقة مختلفة عن موضوع العنف ، وهي طريقتي التي اختلف بها عما تقوله وسائل الأعلام عني وما تقدمه هي ذاتها من موضوعات عن العنف ، لقد طرحت الفكرة بطريقة مختلفة ، رغم انني قد التقي مع وسائل الأعلام في جانب صغير مثل استخدام التعليق الخارجي ( (voice over في بداية الفيلم لكي اعبر عن انعكاس موضوع العنف ولكي اهيء المشاهد لقبول الفكرة .وانت تعلمين ان اي فيلم يحتوي فكرته الخاصة ويحتاج الى تقديم شكل فيلمي معين ، وانا لااعلم فيما اذا كنت سأعود في المستقبل الى موضوع وسائل الأعلام وفي النهاية فأن الفيلم يقدم نفسه ولكن من الممكن في المستقبل ان اصنع فيلما آخر يلامس هذه القضية .على اية حال ، انا لست سعيدا تجاه من يقدمني على انني متخصص في موضوع وسائل الأعلام والعنف .

* هل يمكنك ان تختصر لنا موضوع وفكرة فيلم الرباط الأبيض ؟

- لقد اردت ان اقدم اطفالا خضعوا واجبروا على قبول قيم صعبة من الجيل السابق وان تلك القيم الصعبة اصبحت بالتالي قيما لاانسانية وكانت النتيجة النهائية هي سيادة منطق (الترهيب).

* ولكن السؤال هنا هو ، هل تعني انك بصدد عرض مشكلة تخص المجتمع الألماني تحديدا ، بأعتبار ان الفيلم يعرض احداثا وقعت في قرية المانية ؟

- بالتأكيد الجواب : لا ، الا ان المشكلة وجدت في المجتمع الألماني ولكنها موجودة في مجتمعات اخرى وخاصة تلك المجتمعات التي تبالغ في تطبيق ماتؤمن به وتتشدد فيه وتصبح الفئات الأضعف هي الضحية .ونحن نرى هذه الظواهر بشكل خاص لدى المتدينين المتعصبين والسياسيين كذلك سواء اكانوا من اليمين او من اليسار ، لهذا أأمل ان لااحد يعد هذا العمل على انه معني بالسؤال والأجابة عن المجتمع الألماني فقط.

* وكيف اخترت كل هؤلاء الممثلين ؟

- لقد الهمتني وجوه الناس في الحقبة التي تجري فيها احداث الفيلم ان ابحث عن هؤلاء الأطفال ، كان علينا ان نبحث لمدة ستة اشهر عن اطفال يناسبون هذا الفيلم .واعتقد اننا قابلنا حوالي 7 آلاف طفل .ولكن بالطبع لم اقم بذلك لوحدي بل من خلال فريق العمل والمساعدين العاملين معي . وهذا كان ضروريا لأنني لم ارد فقط وجوها جميلة للأطفال فهؤلاء الأطفال كانت لديهم القدرة على التمثيل وهو امر مهم . واما بالنسبة للكبار فقد كانت المسألة اسهل ، اذ كان في ذهني عدد من الممثلين لأداء ادوار محددة وكذلك كانت لي فرصة سابقة للعمل مع بعض اولئك الممثلين في افلام سابقة .

* وكيف قمت بأدارة الممثلين في هذا الفيلم ؟

-انا افضل عدم اعطاء الكثير من الشرح والتفاصيل للممثلين ، فعندما يكون الممثل جيدا وقرأ السيناريو جيدا واستعد له فأن بمستطاعه ان يكون جاهزا لأداء الدور بشكل متقن ، عندها اشرح للممثل او الممثلة ماهي المشكلة او ماهو الخطأ . ولكن بشكل عام استطيع ان اقول انني دائما ماكنت اعمل مع ممثلين ممتازين ولم تكن لديهم اية مشكلة مع حقيقة انني لااعطيهم مزيد من التفاصيل والشروحات .انا اعتقد ان الأمر برمته يعتمد على حسن اختيار الممثل واستعداده ومثابرته ، اذا اخترت الممثل الجيد لأداء دور مناسب له فأن النجاح سيتحقق ولكن خطة العمل مع الممثل يجب ان تكون واضحة من البداية .

* وما تقييمك لأداء الممثلين في فيلمك بشكل عام ؟

- الجواب هو انني قرأت مؤخرا مقالا مطولا عن الفيلم من زاوية وجهة نظر الآباء والأبناء في هذا الفيلم، وانا لست متأكدا ان كانت وجهة النظر تلك صحيحة ام لا ، في كل حال فأنني لست قلقا من تلك المستويات المتعددة للفهم والوصول الى النتائج .

* ولكن القراءات المتعددة للفيلم ظهرت عندما وجد الصحافيون والنقاد والجمهور انفسهم ازاء كم من الأسئلة التي طرحها الفيلم دون ان يجيب عليها اجابات محددة ..ماقولك في ذلك ؟

- ان هدفي في الواقع هو ان يبقى المشاهد محملا بكم من الأسئلة بعد مشاهدته الفيلم . وانا دائما مااسعى الى تقديم قصة الفيلم بطريقة تجعل الجمهور يتساءل عن مضمون الفيلم . ولكن توفر اجابات لجميع تلك الأسئلة قد يؤدي الى نتائج عكسية . وفي كل الأحوال فأن المشاهد يواصل توجيه مختلف الأسئلة و هذه الحالة نفسها التي تتكرر منذ فيلمي الأول . انني لست الشخص العالم بكل شيء لكي استطيع الأجابة عن جميع الأسئلة التي تتعلق بفيلمي هذا او اي فيلم سابق من افلامي .

يجب ان نفهم العالم كما هو ..كما نراه ..وندركه وان السينمائي هو ذلك الكائن الذي مهمته طرح الأسئلة .

ولو امتلك البشر الأجابات عن جميع الأسئلة لكان العالم في وضع آخر مختلف تماما .

ان اعطاء اجابات عامة عن جميع المشاكل والقضايا هو ليس نوع من السذاجة بل هو نوع من الغباء .وليس من الحكمة تماما ان توفر اجابات عن جميع التساؤلات التي يطرحها الفيلم ، ولكن ربما يكون من المفيد اكثر طرح اسئلة مهمة في بعض الأحيان .

فيلمه "الرباط الأبيض" الفائز بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي2009


LE DERNIER VOL

فيلم "الرحلة الأخيرة " للمخرج كريم دريدي....:

بقايا استعمارية والصحراء ملاذ اخير ....
طاهر علوان....

ليس بينك وبين الصحراء المترامية غير الفضاء الشاسع والأفق المفتوح ، ولتلك الصحراء ازمنتها وتحولاتها وهيبتها الخاصة ، وحيث تلتحم الطبيعة مع بعضها لتعويض الفقدان ، فقدان الماء والنبات ، تلتحم الطبيعة في ذلك التوحد بين الأفق الصحراوي وبين السماء الصافية ، ومابين هذا وذاك كان للصحراء سكانها ومريدوها الذين يقرأون صمتها وصخبها وعواصفها ولهيبها الحارق ..مر بها الرحالة والمستشرقون ومر بها المستعمرون ومر بها المهربون واللصوص وكان لكل منهم مع الصحراء غايته .
هي فلسفة المكان الذي تتراجع فيه اطروحات عالم المكان الأشهر ادوارد هال ، تتراجع تماما وتغيب مستويات المكان الثلاثة : الفضاء – المكان – الموضع ، ذلك التدرج مما هو كلي الى ماهو جزئي ومن الأكبر الى الأصغر ، هنا يتعوم المكان وتتخلق علاقات اخرى اذ يحوي الرحم الصحراوي ضمنا كل ذلك التقسيم صعودا
الصحراء هي الفضاء الكلي الذي تعوم فيه شخصيات المخرج الفرنسي من اصل تونسي " كريم ديدي" في فيلمه الأحدث المعروض في الصالات الأوربية ابتداءا من شهر كانون الثاني يناير 2010.
وكان كريم ديدي المولود في العام 1961 قد بدأ مشواره السينمائي بأخراج فيلمه القصير الأول عام 1978 وفيلمه الطويل الأول " بيغال" عام 1994 واختير فيلمه وداعا وداعا في تظاهرة " نظرة ما" لمهرجان عام 1995.وفيلمه "الرحلة الأخيرة" يأتي بعد انقطاع دام خمس سنوات اذ كان آخر افلامه فيلم "صخب" عام 2003
مختصر القصة
تقع الأحداث في ارض صحراوية شاسعة قرب الحدود الجزائرية مع موريتانيا ومالي والنيجر من جهة ، والمغرب من جهة اخرى ، حيث قبا ئل الطوارق ، الأستعمار الفرنسي يخيم على المنطقة بعقليته الكولونيالية الصارمة ، ويرسل ثلة من الضباط للسيطرة على بعض تلك القبائل يقودهم الكابتن لويس(الممثل فريدريك ايبود) وفي المقابل هنالك مساعده الضابط انطوان (الممثل غوام كانيت ) الذي يرتبط بعلاقة غرامية مع فتاة من الطوارق بينما شقيق تلك الفتاة وقبيلتها متهمان بقتل ضابط فرنسي ، الا ان انطوان يتمتع بعلاقات طيبة ميحظى باحترام الطوارق ، خلال ذلك تصل ماري ( الممثلة ماريون غوتيلار) الى تلك الصحراء القاحلة بطائرتها الشراعية باحثة عن حبيبها الطيار الذي اختفى بعد سقوط طائرته ، وعلى الأرجح انها سقطت في تلك الصحراء ، تحاول تلك الفتاة الفاتنة اقناع الكابتن لويس ان يساعدها في العثور على حطام الطائرة ولكن من دون جدوى ولهذا يتركها لمصيرها ، ولأن ذلك الضابط المتعجرف مصمم على الأيقاع بالطوارق والأنتقام منهم تجد الفتاة نفسها مجبرة على الأنضمام الى قافلة الديش المسنود ببعض من الطوارق في تلك الرحلة الشاقة في اعماق الصحراء المترامية ليتغير مسار الأحداث بعدها بانظمامها الى الضابط انطوان والهرب من سطوة القائد الكابتن لويس ولكن الى اين ؟ الى المجهول ، الى متاهة صحراوية لاحدود لها تنتهي بشبه موت انطوان بسبب مرضه ومعاناة ماري وهي تصارع ذلك الموت والضياع في وسط الصحراء ايما وليال .

البنية السردية والحكائية
مما يلفت النظر في تأسيس البنية السردية لهذا الفيلم هو النجاح في اختيار عينة صغيرة مكونة من بضعة جنود وبضعة مرتزقة من الطوارق ولتجري احداث تعكس وقائع عدة من العصر الكولونيالي الفرنسي واستعمار الشمال الأفريقي خاصة .
انها منظومة سردية اعتمدت على بنية حكائية جزئية ثم سرعان ماتطورت الى منظومة سردية كلية وشاملة شكلن بنية الفيلم الحكائية .وتمثلت تلك البنية الحكائية الجزئية في العدد المحدود من الشخصيات والأحداث التي بالأمكان ان تحيل الى مستويات سردية اعمق يمكن اجمالها فيما يأتي :
المستوى السردي الأول / يرتكز على محور الكابتن وجنوده ، انه مستوى يؤسس لأسباب وجود كل اولئك ويؤطر دوافعهم وحاجاتهم على اساس مايقرره الكابتن فهو يشكل بوتقة السرد ومحرك الأحداث .
المستوى السردي الثاني / ومحوره هو الضابط " انطوان" والذي تتعدد شبكة حركته في البناء السردي لبتداءا من صلته بالفتاة من احدى قبائل الطوارق ، صلته بالقبائل ، اتقانه لغتهم ، احترام عقيدتهم ومجتمعهم ، الميل الى الحوار والسلم وعدم المجابهة والحرب معهم .
المستوى السردي الثالث / وهو مستوى تشكل" ماري" الفتاة الباحثة عن صديقها محورا له ، وهي جزء من تأطير سردي جانبي الا انه سرعان مايتحول متجذرا في المستويين الأول والثاني ، الأول من خلال محاولة الكابتن استمالتها دون جدوى والثاني من خلال اعجابها بأنطوان وخوضها المغامرة معه في عمق الصحراء .
التحولات السردية
تتمثل التحولات السردية في تدفق الأحاداث وبث المعلومات ، فهنالك كثافة في التحولات السردية قوامها خطوط عريضة للمعلومات ممثلة في خط الفتاة التي يكاد المخرج وكاتب السيناريو ان يجعلانها في بحثها عن المفقود هي محور التحولات السردية ولكن مسار الأحداث في الفيلم تجعل للتحولات السردية امتدادا آخر يتمثل في التضاد الفكري والمعنوي مابين الكابتن وانطوان ، ولأن انطوان عنصر متحرك صانع لتلك التحولات فقد كانت التفاتة ذكية من لدن كاتب السيناريو الى ادماجها مع صانع التحولات السردية : انطوان" من خلال التقائهما في هدف واحد هو خوض المغامرة في غمار الصحراء .
وعلى هذا يمكن التوصل الى مقتربات التحولات السردية في الفيلم من خلال مايأتي :
- امتداد علاقات انطوان بالطوارق الى مستوى يجعل وجوده في الجيش الفرنسي الغازي وجودا مربكا يجر ارادة الكابتن جرا الى الوراء .
- بسبب النزعة العدوانية للكابتن وغيرته الشخصية من " انطوان " فأنه يشكل عنصر اعاقة في التحولات السردية كما يقول البنيويون من خلال اتخاذ قرارات لاترضي انطوان وتاليا تتسبب في صراع حاد بين الطرفين ينتهي باعتقال انطوان .
- تراجع الأثر السردي والدرامي الذي تشكله الفتاة ، اذ لم تتمكن من ان تكون ( فاعلا) و(ندا) دراميا قويا ومؤثرا في التحولات السردية الا في جزئية تبدو مربكة ومقلقة ، الا وهي قرارها الأنضمام الى انطوان في الهرب والتخلص من سطوة الكابتن وغطرسته ، اذ لاتحيل الأحداث لا اليها ولا الى انطوان على ان ايا منهما على انفراد قد صنع ذلك التحول في الأزمة ، الا انهما معا كانا صانعين لذلك التحول .
الصراع الشرس : تصعيد الدراما الفيلمية
لاشكان الصراع المحتدم مابين انطوان والكابتن قد قاد الى مساحة واسعة من التحولات الدرامية .فأنطوان الرافض لفكرة الحرب ومواجهة قبائل الطوارق والجوء الى لغة العقل والحوار هو الذي سيكون سبب في المجابهة الدرامية والصراع الشرس مابين الطرفين والذي سيفضي الى عراك بين الطرفين ينتهي بأدماء وجه الكابتن واعتقال انطوان ولاحقا هربه الى عرض الصحراء بمساعدة من الطوارق .
الدراما الواقعية هنا هي دراما نوازع الهيمنة والغطرسة ونزعة السيطرة التي تستحوذ على الكابتن المتعصب القادم الى تلك الأصقاع بعقلية امبراطورية لأركاع واخضاع الخارجين على القانون كما يسميهم هو واعادتهم الى بيت الطاعة .
لكنه يجر معه مجموعته الى متاهة في قراره التصدي للطوارق ومحاربتهم ، ففي تلك الصحراء الشاسعة التي هي بيت الطوارق وفضاءهم يريد الكابتن ان يفرض عليهم الأمر الواقع وهو امر من الصعب بلوغه الا ان تزمت الكابتن وتفرده بالقرار تقود الى الأنقسام وهرب يعض الطوارق المساندين وتمرد انطوان وتصدع سلطة الكابتن وقواته .
ولعل تفصيلات جانبية اخرى قد عززت تلك الدراما من خلال تحول الصراع مابين الكابتن وانطوان الى استقطاب شرس لايقبل الهوادة افضى الى هرب انطوان بعيدا عن الكابتن ونزعته العدوانية وحروبه المقبلة .
ولقد اجاد كاتب السيناريو في رسم التحول في البناء الدرامي من خلال تتبع افعال الشخصيات وحتى الثانوية منها اذ صنع نسيجا مكتملا دراميا فيه قليل من الشخصيات الفاعلة ولكنها فعلها على ضآلة ومحدودية ادوارها هو فعل كبير ، أي انها ليست هامشية ولهذا لايجد المرء نفسه الا متعاطفا مع تلك الشخصيات وخاصة انطوان والطوارق وماري الباحثة عن حبيبها في الصحراء.

.
التصوير والموسيقى
لابد لي من التوقف بكثير من الأعجاب بجهد فريق التصوير وخاصة مدير التصوير ( انطوان مونو) فلقد تجلى واضحا ادراكه ووعيه الكامل لخصوصية المكان وبالرغم من طابع التكرار ورتابة المكان الصحراوي بطبيعته الجغرافية اذ لاشيء سوى الرمال ، الا ان تلك البيئة الرتيبة تحولت الى فضاء ابداعي مؤثر بالنسبة لمدير التصوير اذ كسر تلك الرتابة وتجلت الصحراء في الكثير من المشاهد ومن خلال انتقاء الزوايا بعناية وانتقاء وقت التصوير ، تجلت في شكل مختلف محمل بجماليات المكان وشيفراته الدالة ، فغاليا ماكان الكابتن ومن وراءه افق مقفل بينما كانت رحلة انطوان مع ماري محملة بالتنوع الجغرافي مابين تلال ووديان ومساحات مفتوحة ، تنويع جمالي خلاق تنقل فيه مدير التصوير بين ازمنة واماكن وجد فيها كاتب السيناريو قبل ذلك افقا محملا بكثير من عناصر التعبير والتأثير .
في المقابل وظف الثلاثي جبران الموسيقى الشرقية بطريقة مؤثرة هي الأخرى فقد اقتصدا تماما في استخدام الموسيقى ولاتشعر بضجيجها ولا بفقر الآلات الشرقية في ان تستخدم في الموسيقى التصويرية اذ هي بحاجة الى وعي مختلف واشتقاقات موسيقية متقنة تخرج عن رتابة التخت الشرقي والناي الذي يصرخ والطبلة المدوية ، نعم استخدم الناي والدف والعود ولكن في اقل قدر ممكن وبما يضفي على المشاهد عمقا وحيوية
وجمالية والا بدت شاذة ومبالغ فيها فيما لو زادت عن تلك الحدود

....

يثبت دريدي مرة اخرى انه مخرج متميز في صنع فيلم متميز سواء بأداء الممثلين والمعالجة الفيلمية وبناء الأحداث وصنع الدراما .
بطاقة الفيلم
السيناريو / كريم دريدي و باسكال ارنولد
عن كتاب الرحلة الأخيرة للكاتبة سيلفيان ايستيبال
التصوير / انطوان مونو
المونتاج / ليز بيليو
الموسيقى/ الثلاثي جبران
انتاج / شركة جومونت ومساهمين آخرين
الطول / 86 دقيقة
البلد/ فرنسا
عن المخرج المتميز كريم دريدي

ولد كريم دريدي في تونس. عام 1961 بتونس العاصمة من أب تونسي وام فرنسية ومنذ سن الثانية عشرة بدأ في تصوير أفلام تدخل في اطار الهواية. وبداية من عام 1982 أخرج وأنتج أفلامه القصيرة الاولى. ونال فيلمه "زوري الملاكمة" جائزة بمهرجان جرونوبل السينمائي في فرنسا.
أخرج فيلمه القصير الأول "في الكيس" عام 1987. وأخرج فيلمه الروائي الطويل الأول "بيغال" عام 1994. تم اختيار فيلمه الروائي الثاني "وداعاً، وداعاً" لمهرجان كان السينمائي ثم قدم فيلمه (خمسة) سيناريو وانتاج وإخراج : 2008ا ثم فيلم( الرحلة الأخيرة (سيناريو و إخراج – 2009




بانوراما فيلمية...
.... اوربا : بريطانيا ، السويد ، اسبانبا ، فنلندا ، سويسرا ، اليونان
.,...

مشاهدات عديدة تزيد على 200 فيلم في خلال الأشهر الستة الماضية مابين روائي ووثائقي وقصير.الا انني آثرت ان اسلط الضوء على نماذج منتقاة من بين تلك الأفلام ...افلام جاءت من اوربا ملامسة هموما انسانية عميقة ..هي افلام مختلفة ليس فيها الضجيج الهوليوودي بما فيه من صراعات واكشن وعنف ونجومية مجردة ..وهذه هي مختاراتي


فيلم "خزان السمك" للبريطانية اندريا آرنولد : محنة المراهقين وانحرافات الراشدين

تبقى القصص الواقعية والأجتماعية التي تتعلق بالتفكك الأسري ومشاكل المراهقين وحالة الضياع والأحساس بالفراغ واللاجدوى واحدة من الموضوعات الأثيرة لصانعي الفيلم ..وتعاني العديد من المجتمعات من مشكلات مشتركة معقدة كهذه لاسيما في المجتمعات الأستهلاكية كالمجتمع البريطاني .فلأن هذا المجتمع متميز تقليديا بالطبقية في كل شيء ويعتبر ذلك ميزة وتميزا عما سواه من المجتمات وليس نقطة سلبية ، فتجد ان طريقة الكلام بالأنجليزية تختلف من طبقة الى اخرى ، لهذا تجد طبقة العمال تمتلك طريقتها الخاصة في الكلام من استخدام الكلمات ومخارج الحروف وصولا لتجاوز اعتبارات اللياقة ..وسط هذه الطبقة العمالية تقع احداث هذا الفيلم لمخرجته (اندريا ارنولد ) حيث يسكن الجميع في نوع من السكن الأجتماعي الذي تتقارب فيه العائلات في حياتها اليومية وكأنها تتقاسم العيش في فندق مشترك ..من هنا تبدأ الحياة اليومية للفتاة المراهقة ( ميا : الممثلة كاتي جافيز ) ذات الخمسة عشر عاما والتي تعيش مع امها وشقيقتها الصغيرة من دون الأب .. ولعل عنصر تميز هذا الفيلم فضلا عن اثارته قضية حساسة ومعاشة في المجتمع البريطاني هو تمكن المخرجة من قيادة شخصياتها وصنع دراما نابضة بالحياة فاللقطات والمشاهد التي صورت الحياة اليومية لذلك الحي المغلق على مشاكله اليومية لم تكن تنقل واقعا مفترضا او كونه مجرد اعادة صياغة لواقع معاش بل تستشعر من وقائع الفيلم بذلك القدر من الواقعية والحيوية وان الشخصيات فاعلة بمافيه الكفاية لكي تفعل شيئا بالرغم من انها تجد نفسها غاليا مقيدة بتلك المشكلات .
يضاف الى ذلك انني وجدت في هذا الفيلم قدرا وافرا من الأحساس بطبيعة الفيلم الوثائقي من خلال مواكبة الحياة اليومية والتفصيلية للشخصيات وترك تلك الشخصيات تعبر بعفوية عن ذاتها ، وبالرغم من المساحة المحدودة لحياتها من ناحية محدودية الأماكن التي ظهرت فيها الشخصيات الرئيسة الا انها كانت كافية تماما لتتيح لنا فرصة الأهتمام والمتابعة ومراقبة تحولات ذلك المجتمع الذي يتآكل وتتآكل فيه القيم وتسود فيه الأنانية وحيث تتضاءل اللياقة والأحترام بين الشخصيات مع وجود مساحة كبيرة لطرح مشكلات الصغار والمراهقين في تلك البيئة.
شمشون ودليلة

هو عالم لانراه ، عالم معزول ومجهول على حافات المدن حيث تعيش الفئات المسحوقة ايامها الطويلة في معاناة متواصلة ، تلك هي قصة شمشون ودليلة اللذان يعيشان في تلك البقعة النائية في فقر مدقع في اماكن مهجورة لاتتوفر فيها ابسط متطلبات العيش ، دليلة تعيش مع جدتها على الكفاف وتعيشان من بيع لوحات الرسوم الفطرية بينما شمشون لاينطق بكلمة واحدة وهو يشاهد يوميا مجموعة من الشباب وهم يعزفون على آلات الجيتار والضرب على الطبول في ممارسة عبثية لامعنى لها ولا توفر اجابة محددة وخلال ذلك تقع التحولات الدرامية المروعة باختطاف دليلة وبأدمان شمشون استنشاق البنزين كنوع من المخدر حتى يصل الى حافة الموت انه صورة المشردين المنبوذين الذين يعيشون على حافات الحياة في بلد غني هو استراليا بينما يعاني الملونون فيه كل ذلك الضنك والضياع ، شكل اداء الشخصيتين علامة فارقة في الفيلم واثبت مخرجه قدرة مميزة على قيادة الممثلين وان يصنع دراما متميزة متصاعدة



المشاعر والقلوب المحطمة مع بيدرو المودافار


حياة محطمة تعصف بها فصول من الأنانية والشخصيات تعوم في فراغات متداخلة باحثة عن ذاتها في فيلم العناقات المحطمة والفيلم هو عبارة عن سرد وتحولات وتجارب المخرج والسرد الفيلمي يتنقل بنا بين سنوات الثمانينيات والملاحظ ان ستخدام اسلوب الفلاش باك في هذا الفيلم هو شكل من اشكال التداخل السردي والتنوع في عرض المراحل الزمنية التي مرت بها الشخصية . انه المخرج الأعمى ، وليس اعمى فقط في بصره بل هو اعمى في مواقف حياتية عديدة ، اذ هو متأجج العاطفة مع ( لينا- بنيلوبي كروز) بينما هو اعمى عاطفيا في النظر للواقع المحيط به .وهو مايعترف به لاحقا في حواره مع مديرة اعماله وصديقته المحبطة . وحيث يعرض الفيلم جوانب من حياة كاتب السيناريو والمخرج الذي يتعرض الى حادث سيارة تنتهي بأصابته بالعمى وبوفاة صديقته ( الممثلة بنيلوبي كروز) .ومابين هذا وذاك تبرز شخصية لينا ذاتها فهي فتاة قادمة من بيئة متواضعة ، ابوها يعاني من مرض عضال ولاتستطيع ادخاله مستشفى خاص لأجراء عملية جراحية عاجلة له حتى تدخل مديرها العجوز آرنستو مارتيل (خوزيه لويس غوميز) واعلان استعداده لتغطية تكاليف دخول المستشفى والعملية وجميع ماتحتاجه وذلك تفرع آخر اذ انها مرتبطة مع ذلك مع ذلك المدير بعلاقة عشق ترفض هي ان تتطور الى زواج لاسيما بعد ان ترتبط بعلاقة مع المخرج.. والفيلم في تداخلاته السردية هو سينما داخل السينما ، فالمخرج في داخل الفيلم هو المخرج القلق المتوتر الباحث عن الدهشة . والفيلم بعد هذا هو تنوع سردي في حياتي الشخصيتين لينا والمخرج وجميع الأحداث تقع في البدء في زمنين متوازيين اي الزمن الذي عاشه المخرج الأعمى وقبل فقد بصره والزمن الذي عاشته لينا المساعدة الفاتنة للمنتج العجوز و التي تقرر دخول حقل السينما والتمثيل في وسط اجواء من الغيرة التي يعبر عنها مديرها وهو يراقبها ويستمع لحواراتها الفيلمية ويرسل ابنه المثلي لمراقبتها فيأخذه الهوس بهذه المهمة وهو مايثيره اكثر واكثر ..



فيلم اصلاح – صورة الأقليات في اليونان

يلامس هذا الفيلم (اخراج تانوس اناستوبولس ) قضية حساسة وانسانية طالما ناقشتها السينما ، وهي قضية الأقليات في اوربا والتي تشكل لوحدها ظاهرة اجتماعية وسياسية في آن معا . تدور احداث هذا الفيلم حول شخص يطلق سراحه من السجن ويبدأ الفيلم من لحظة خروجه ، يتأمل الشوارع ، الأسواق ، الناس ، اماكن المهاجرين ثم قسم الخدمة الأجتماعية الذي يساعد الخارجين من السجن على تدبير حياتهم الجديدة وخلال ذلك يجري تدوين المعلومات عن السجين لكنه يرفض الأفصاح او الأجابة عن نقطة واحدة فقط وهي فيما اذا كان متزوجا ام لا .
ثم نتابعه وهو يقصد مدرسة البنات لتأمل ابنته الصغيرة وهي تمارس العابها الرياضية ثم يتبعها هي والأم ، الزوجة السابقة هي من الأقلية الألبانية ، يتعرف على محل عملها ثم تكون الأم والأبنة في طريقهما الى المنزل عندما تعترضهما الشرطة مطالبة بأبراز البطاقة الشخصية فيتدخل هو لأنقاذهما من الموقف ومن استجواب الشرطة وبعد ان يخرجهما من الموقف يكون رد فعل المرأة شديدا ضده اذ ترفضه وتتركه وتمضي وخلال ذلك تلتقيه عصابة من المتطرفين وتحييه على مافعله عندما ساهم في قتل احد المهاجرين الألبان بعد مباراة لكرة القدم ويعطونه بعض المال ثم ينتقل للعمل في نفس محل عمل الزوجة دون ان ينجح في اللقاء بها بل انها ترفضه بشدة .
تجري الأحداث على خلفية الدوافع العنصرية لدى بعض من المتطرفين اليونانيين ضد الأقلية الألبانية المهاجرة ذلك ان العصابة عندما تلتقي هذا الرجل الخارج من السجن توا تعطيه بعض المال وتحيي موقفه في قتل الألباني وتطالبه باعتباره بطلا ان يواصل مابدأه لكنه يرفض ويضطر الى افتراش الرصيف وفي ركن مقابل لشقة الزوجة والأبنة يراقبهما حتى تكتشف الزوجة ذلك وتشاهده وهو يفترش الرصيف فتتعاطف معه . يجري كل ذلك على خلفية تصاعد المشاعر الوطنية لليونانيين : مباريات كرة القدم ضد البانيا وضد تركيا خاصة ، المسيرات الطلابية ذات الطابع العسكري لتحشيد المشاعر الوطنية ، مسيرات التشييع لأحد الوطنيين اليونانيين .
تميز الفيلم بانتقالات سلسة وبأقل مايمكن من الحوارات .
وظلت لعبة الأختباء طريفة وممتعة من جهة البطل الباحث عن ذاته وزوجته وابنته .
فيما كانت من المشاهد المؤثرة مشهد العصابة من اليونانيين المتطرفين وهم يسلمونه موبايل وفيه تسجيل لمظاهرة شوفينية تم فيها قتل احد الألبان فيما كان رسم العلم اليوناني والوانه على وجه ذلك الرجل .

قلب النار – صور قاتمة من اريتريا - المانيا

فيلم :قلب النار ، اخراج : لوجي فالورني، تقع احداثه في ارتيريا وهي تطحنها الحرب الأهلية مابين فصيلين مسلحين هما الشعبية والجبهة . طفلة في حوالي العاشرة من عمرها يتم ايواؤها من الحرب في احدى الكنائس ثم تعاد لوالدها الذي سرعان مايهديها هي واختها الى الجبهة اي الى المحاربين الذين يريدون تحرير ارتيريا وهنا تجد نفسها وجها لوجه مع الحرب .
في البداية لاتكلف بواجبات حربية بل بغسيل ملابس الجنود ثم يجري تدريبها على السلاح ولكنها تقوم بأفراغ اسلحة زملائها الأولاد اليافعين من الأطلاقات مما يؤدي الى تعريضهم للخطر بسببها فتعاقب عقابا شديدا من جراء ذلك من قبل المرأة التي تشرف على تجنيد الأطفال الصغار واليافعين وزجهم في اتون الحرب الطاحنة والدماء والدمار واالرعب اليومي .
ثم ينقذها شاب محارب هو الآخر يكبرها بأكثر من عشر سنوات وهو وجد نفسه مرغما ان يكون في قلب تلك الدوامة من الدم والقتل والخراب ، ويخبرها ذلك الشاب بأنه قرر الهرب بها هي واصحابها الصغار انقاذا لهم من الحرب والموت باتجاه الحدود مع السودان ولكن مالم يكن في الحسبان هو ان يتعرض المعسكر الذي يتواجد فيه ذلك الشاب مع الأولاد الصغار والفتيات الصغيرات الى هجوم شرس ينتهي بمقل الشاب وهرب المسلحين من زملائه بما فيهم جوقة الأطفال اليافعين والفتاة الصغيرة التي تبكي الشاب وتصرخ منادية من اجل انقاذه دون جدوى في واحد من المشاهد المؤثرة في الفيلم ، لكنها تواصل مسيرتها فيما بعد هاربة من جحيم الحرب باتجاه الحدود السودانية .
في احدى الكنائس ثم تعاد لوالدها الذي سرعان مايهديها هي واختها الى الجبهة اي الى المحاربين الذين يريدون تحرير ارتيريا وهنا تجد نفسها وجها لوجه مع الحرب .
في البداية لاتكلف بواجبات حربية بل بغسيل ملابس الجنود ثم يجري تدريبها على السلاح ولكنها تقوم بأفراغ اسلحة زملائها الأولاد اليافعين من الأطلاقات مما يؤدي الى تعريضهم للخطر بسببها فتعاقب عقابا شديدا من جراء ذلك من قبل المرأة التي تشرف على تجنيد الأطفال الصغار واليافعين وزجهم في اتون الحرب الطاحنة والدماء والدمار واالرعب اليومي .
ثم ينقذها شاب محارب هو الآخر يكبرها بأكثر من عشر سنوات وهو وجد نفسه مرغما ان يكون في قلب تلك الدوامة من الدم والقتل والخراب ، ويخبرها ذلك الشاب بأنه قرر الهرب بها هي واصحابها الصغار انقاذا لهم من الحرب والموت باتجاه الحدود مع السودان ولكن مالم يكن في الحسبان هو ان يتعرض المعسكر الذي يتواجد فيه ذلك الشاب مع الأولاد الصغار والفتيات الصغيرات الى هجوم شرس ينتهي بمقل الشاب وهرب المسلحين من زملائه بما فيهم جوقة الأطفال اليافعين والفتاة الصغيرة التي تبكي الشاب وتصرخ منادية من اجل انقاذه دون جدوى في واحد من المشاهد المؤثرة في الفيلم ، لكنها تواصل مسيرتها فيما بعد هاربة من جحيم الحرب باتجاه الحدود السودانية
وبعد انقاذه واعادته الى المنزل يقول انه سيتم تقطيعه اجزاءا وارسال اجزائه تباعا الى فيلا لطلب الفدية من جديد فالأفضل هو ان يهرب ويختفي ، فتوافقه اليسا مضطرة لكنها تكتشف انها وقد وثقت به قد سرق مالها وهرب فتحاول اللحاق به دون جدوى فيكون رد فعل فيلا هو الأنتحار دون ان تستطيع اليسا انقاذها هذه المرة .

فيلم الصديق – سويسرا

هذا الفيلم من اخراج (ميجا لوينسكي) الذي يمكن ادخاله في دائرة الأفلام النفسية او التي تتحدث عن الأضطرابات والمشاكل النفسية ، يحكي الفيلم قصة شاب يتصل بأسرة ما ويخبرهم انه صديق ابنتهم المتوفاة حديثا ، الشاب يعاني من الوحدة القاتلة ومن سيطرة الأم عليه ويعاني من العزلة. يتطور الأمر الى سعي ام الفتاة المتوفاة الى معرفة هذا الصديق وماذكرياته مع ابنتها . ويقع تعاطف بينهما بعد مراسم دفن الفتاة . الشاب يجسد واقعا مأزوما فهو يعاني من العزلة والوحدة وسيطرة الأم عليه كما انه يشير بشكل عابر الى انه حاول الأنتحار في احدى المرات وبسبب احباط الفتاة شقيقة المتوفاة ومشاكلها مع اسرتها فأنها تجد نفسها منجذبة لذلك الشاب ولهذا تمضي ليلة معه في الفراش .
في تلك الأثناء تأتي الأم لزيارة ابنتها ومصالحتها وتدخل غرفتها فتجدها نائمة مع الشاب وتعبر الأم عن صدمتها اذ كيف يقبل صديق الفتاة المتوفاة ان ينام مع اختها ، لكنه يقول انه لم يكن صديقا للفتاة يوما وهنا تقع المفاجأة اذ يكتشف الجميع انه كان يكذب عليهم بمن فيهم شقيقة الفتاة التي صدقت انه صديق مخلص لشقيقتها ، يحاول العودة لها واقناعها بحسن نيته دون جدوى ثم ينتهي الفيلم بجلوسهما معا .

الثلج الأسود – فنلندا: قصة صراع عائلي

يقدم هذا الفيلم (اخراج : بيتري كوتويكا ) صراعا مريرا ودراما ساخنة في اطار اجتماعي يكشف ان الخيانة الزوجية هي الخيانة الزوجية اينما وقعت وحلت في اي زمان ومكان ، الفيلم يحكي قصة زوج وزوجة يعيشان معا بسعادة ظاهرة حتى تكتشف الزوجة في ليلة عيد ميلادها ان لزوجها علاقة مع امرأة اخرى . تحاول وسط صدمتها ان تعرف من هي تلك المرأة التي يرتبط معها الزوج بعلاقة ، لكن الزوج ينكر ذلك تماما لكنه وهو يتحدث معها يقوم لاشعوريا برسم ( لوكو ) يكون مفتاحا للزوجة لمعرفة من هي تلك الفتاة . الزوجة طبيبة جراحة في احد المستشفيات ، ومنهمكة في عملها اليومي ، لكنها تمضي في محاولاتها معرفة من تكون تلك الفتاة التي يعرفها الزوج ، تذهب الى مكتب زوجها وفي غفلة منه ودون علمه تبحث في كومبيوتره الشخصي فتعثر على اسم الفتاة وعنوانها فتتبعها وتكتشف انها مدربة رياضية لفنون الكراتيه وسرعان ماتجد نفسها منخرطة في دورة من دورات الكراتيه تحا اسم مزور ، وعبر يوميات التدريب على الكراتيه تبدأ بالأقتراب من عالم مدربتها وخصمها في آن واحد ثم تتوطد علاقتهما وتقبل تلك المتدربة دعوة مدربتها لحضور سهرة مع اصدقاء لها في داخل منزلها ويتطور الحوار اليومي بينهما الى قيام المدربة بأخبار صديقتها الجديدة بعلاقتها تلك مع الرجل المتزوج والممتدة لأكثر من عام مضى وانها تحبه وتروي لها ان له زوجة جميلة وانها رأته معها لمرة واحدة وانها امرأة جميلة . وبعد ان تتأكد الزوجة من ثقة الفتاة التي قامت بخطف زوجها منها ، تلتقيان في حفل تنكري وتوهم الزوجة تلك العشيقة بوجود زوجة عشيقها في الحفل في خدعة تتسبب في شعور العشيقة بالأحباط فتذهب مع الزوجة الى شقتها وتضع لها منوم وتحاول اقناعها للقيام بعملية اجهاض مرة اخرى وتفشل وعندها تتأكد العشيقة من هوية الزوج وانه محب لزوجته وانها قد تعرضت الى طعنة كبيرة فتأخذ سيارة الزوج الذي يلاحقها بسيارته في بيئة متجمدة وينتهي الأمر به الى ان يصطدم بأحدى الأشجار ويتجمد حتى الصباح بعد رفض عشيقته انقاذه وأخذه بسيارتها ، وتتواصل تلك الميلودراما المريرة عندما يتم اجراء جراحة للمدربة العشيقة وهي تكفكف احزانها بعد فقدها حبيبها وشعورها بالذنب من جراء ذلك ، وينتهي الأمر بها الى ان تلد طفلا من تلك العلاقة السرية بينما تكون الطبيبة الجراحة هي الزوجة نفسها .

بلا ارادة – خمسة قصص متوازية من السويد

هذا الفيلم الذي نال الجائزة الكبرى لمهرجان السينما الأوربية في بروكسل : 2009 يقدم معالجة مؤثرة الى حد كبير وفيها كثير من التجديد وعدم التكرار والرتابة في الرؤية الأخراجية ، الفيلم من اخراج المخرج الشاب روبن استند ويبدأ بلقطة عامة للمدينة في الليل ثم بلقطات لأناس يتبادلون احاديث المجاملة في حفل عيد ميلاد ولاتظهر الا اقدامهم ثم حوار بين راعية الحفل وسيدة اجنبية اي غير سويدية ، تسألها راعية الحفل هل اتقنت اللغة السويدية ؟ فتجيب انها تحاول قليلا تعلم اللغة ، الزوج مشغول بأشعال الألعاب النارية . لقطات اخرى لفتيات مراهقات عابثات يصورن انفسهن امام كاميرا الموبايل او ربما كاميرا الكومبيرتر.
لقطات لمجموعة من الأشخاص في داخل حافلة تقلهم الى مدينة اخرى ، احداهن ممثلة ويدور حوار بينهما وبين راكبة اخرى بينما هنالك مراهقون في آخر الباص ويتبادلون النكات ويعبثون . المرشدة السياحية تحاور السائق وتسأله عن عمره وحياته ، لقطات للمدرسة وهي تلقي محاضرة على طلابها وتحاول التعرف على ذكائهم في وقت يقوم مدير المدرسة بعقاب احد الطلبة ومطاردته داخل المدرسة ومن ثم توبيخه بشدة وعنف .
في الجانب الآخر يمارس سائق الباص سلطته على ركاب الباص فيوقف الباص بحجة ان احدهم قد الحق ضررا بالباص وحتى يعترف من ارتكب الخطأ ويعتذر عن فعلته ويتحمل مسؤوليته فأن الباص لن يتحرك .وبموازاة ذلك تجري قصص اخرى لشباب عابثون يمارسون لهوا يدل على ذائقة جيل مثقل بالمشكلات فضلا عن صراع لفظي عنيف بين مدير المدرسة والمدرسة الرافضة لأستخدام العنف ضد طلاب المدرسة ثم العودة مرات اخرى الى الفتيات المراهقات . قصص تجري متوازية تكشف عن ازمات اجتماعية تعصف بالجيل لكن الطريف في هذه القصص انها تأتي تحت يافطة انها وقائع تجري في فصل الصيف القصير جدا في السويد حيث يتصرف الناس بشكل يكونون فيه غريبي الأطوار .

مشاهد ...اماكن ...وتيارات

مشهد الناقد السينمائي بصفته شارحا للصورة

تبدو مهمة (الشارح للصورة) هي أولى مهمات الناقد الذي اعتاد ، وعوّد معه قرّائه على هذه المهمة ، أو هذه الوظيفة.
والشارح للصورة هو هذا المعلق المحايد ، أو غير المحايد الذي يساعد على الدفع بالصورة إلى حيز التداول..

الصورة قبل مهمة الشارح هي كينونة مستقلة.. انتهت صلتها بصانعها ، أو صانعيها... ليس غير قائمة الأسماء التي ترافق افتتاح الصورة أو اختتامها، المقصود أسماء المشاركين في صناعة / إنتاج الصورة.. وما بين الافتتاح- الختام ثمة كينونة متدفقة قوامها الصور/ الأصوات/ الحركة..
الصوري/ الصوتي/ الحركي هو المكون الثلاثـي الذي يرتكز عليه (شارح الصورة)..
فضالته الأولى هي ما يرى ثم ما يسمع .. وخلال ذلك يجري توظيف الحركة.. إنها البنية السيميائية الافتراضية من العلامات التي تستند إليها المكونات الثلاثة.
ولعل وظيفــــة الشارح هنا هي الوظيفة المؤجلة، إنها وظيفة بعد صورية أي انها وظيفة متولدة من انتهاء العرض وانتهاء عملية التلقي.
شارح الصورة واقعيا ليس معنيا كثيرا بوظيفة التلقي ولا العمليات التلقائية أو غير التلقائية المواكبة للعرض المرئي.
إنه من أجل المضي في وظيفة الشارح يتحاشى المقتربات التي يرى أنها (تعقد) وظيفـــــــته ، أو تضيف إليها بعداً نظريا وذهنيا.

الوظيفة المؤجلة لشارح الصورة
إن الوظيفة المؤجلة لشارح الصورة هنا ينظر إليها أحيانا على أنها وظيفة تابعة وبعدية كما قلنا.. فهي ليست وظيفة صانعة ، وعلى هذا تم نقل وظيفة الناقد إلى مهمة (مؤقتة) ، وليست ملزمة لكينونة الفيلم.
ولكي يؤسس الناقد لنفسه موقعا في العملية فإنه يلجأ إلى أيسر وأقصر الطرق وأقلها خسارة في مهمتــه ، وأكثر قبولا لدى جمهور فن الفيلم من جهة ، ولدى من ينتج الخطاب الفيلمي.. إنها مهمة من يمضي مع الفيلم في كونـه متنا حكائيا.. أو قصصيا يستوجــب الأمر أن توضح ملابساته وتركيبه.
لكن هذا المقترب إلى (المتن الحكائي) وإلى (البناء القصصي) يبدو ظاهريا مفصولا فصلا قسريا عن نظرية السرد ، وطرائق وأساليب السرد، وهي نظرية وطرائق متكاملة وتخصصية فيمـــا يجري التعامل معها من أجل خدمة وظيفة الناقد كشارح للصورة.
شارح الصورة.. إن كان ناقدا في هذا النقاش فانه قد أصبح في أمسِّ الحاجة إلى أدواته.. التي تؤهله وتساعده للمضي في وظيفته.
وعلى هذا.. كان لزاما عليه أن يحلل ثم يفكك البنية الفيلمية..
ولأنها مهمة مركبة ومتداخلة يلجا شارح الصورة إلى طريقة انتقائية تامة.. إذ ينتقي من بنية الفيلم أو ما عُرف بـ(اللغة السينمائية) ما يساعده للمضي في وظيفته.. لأن التوقف عند البنية وكينونة اللغة سيغرق شارح الصورة في وظيفة مزدوجة، وربما ذات منحى نظري/ تنظيري قد لا يساعد في الوصول إلى الهدف..

وما بين وظيفة شارح الصورة الانتقائي ، وبين وظيفـة الناقــد ثمة كينونة فيلمية.. هي ما أسميه بـ (البنية العميقة للخطاب الفيلمي)..
هذا التركيب الاصطلاحي.. أجده اقرب إلى ما أنا ماض فيه في عرض مقاربات نقدية وإعادة نظر ، وقراءة لوظيفة النقد السينمائي ، وقبل ذلك لوظيفة الناقد السينمائي.
البنية العميقة للخطاب الفيلمي كنت قد طرحتها تمهيديا في كتابي: (الخطاب السينمائي من الكلمة إلى الصورة)..

وكانـت ذات امتداد سردي مرتبط بوظائف الكاتب والمخرج.. أي بين النص والخطاب المكتوب ، والنص والخطاب المرئي.

ما بين ثنائية المكتوب/ المرئي سيولد مفصل آخر يشكل معضلة أمام (شارح الصورة).. فهو غير مهيأ للانتقال من البنية العميقـة للخطاب الفيلمي إلى ثنائية المكتوب والمرئي.. البنية والثنائية تشكلان معضلة حقيقية أمام شارح الصورة المكتفي بوظيفته التابعة وربما.. الهامشية

......................................................................................................................................

Documentaries

الفيلم الوثائقي"ملاكي " للمخرج اللبناني خليل زعرور

...................................................................................................................

تراجيديا مفقودي الحرب ، المكان ، الشخصيات المعالجة ، والشكل المبتكر

اناس لانعرفهم ولم نرهم من قبل ، ولاندري ان كنا سنلتقيهم ام لا ، ولسنا على موعد للقائهم الا ان تجتذبنا الشاشة البيضاء لكي تنسج امامنا قصصا من حياتهم واهوائهم وتعرفنا : من هم وكيف يفكرون ولم يعانون ؟ هم اولئك الذين يسيرون مع سيرورة هذه الحياة ، هم جزء حي منها بكل مافيها ، وعلى هذا اتخذت السينما الوثائقية لنفسها عينا راصدة تواكب تلك الحياة غير المرئية ، تعيد اكتشافها ، استخراجها من زمانها ومكانها حياة يصر الوثائقيون المخضرمون على انها لايجب ابدا ان تخضع الى التعديل والتغيير والتجميل ، قبح الحياة وتبعثرها وتشتتها في السينما الوثائقية هو نوع من جمالياتها ، اية معادلة غريبة هذه ، لكنها معادلة تختصر سؤالنا : هل على الفيلم الوثائقي ان يجري تغييرا وتعديلا على الواقع ام يقبله كما هو ؟ لاشك انه سجال جديد قديم تراكم مع تراكم المنجز الوثائقي حتى ظل هذا الفيلم غير جدير بالشهرة ولا بالأهمية احيانا وصالات ودول معدودة تلك التي تعرض الفيلم الوثائقي ضمن برامج عروضها ، وحتى شاشات التلفزة الفضائية فأن السواد الأعظم منها غير مكترث بالسينما الوثائقية ولا يدرج في برامجه شيئا من انجازها ، وبموازاة ذلك تبرز مسألة الموضوعات التي تطرحها السينما الوثائقية في كونها اقرب الى الريبورتاج الصحافي منها الى النوع السينمائي المستقل الذي تظهر من خلاله مهارة المبدع كما هي في هذا الفيلم الذي اعده شخصيا احد اهم الأفلام التي شاهدتها في الدورة الأخيرة لمهرجان دبي مع انه لم ينل جائزة ولم يكتب عنه الكثير .

ملخص موضوع الفيلم

ربما يكون استثناءا ان نتوقف عند الموضوع وهو في شكل تسلسل في الفكرة والمضمون كما في التتابع الصوري ، كما هي الحال في هذا الفيلم ، يعرض الفيلم لخمسة او ستة نماذج ، هي قصص سيدات لبنانيات فقدن اعزائهن في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت شرارتها العام 1975 ، ولكل واحدة منهن عالمها المرتبط بذلك العزيز المفقود ، فهذه فقدت والدها وهي طفلة وتلك فقدت زوجها اما البقية فقد فقدن ابناءهن .

تعيش كل امرأة منهن تفاصيل الفقدان وتسترجعه على طريقتها الخاصة التي امعن فيها المخرج واعاد صياغتها على طريقته التي بدت اقرب الى الحكايات الوثائقية المحاطة بشكل فني وجمالي ربما جاء مختلفا .وخلال ذلك تبقى اصوات الفجيعة صاخبة وصارخة فالضحايا تعيش قصصهم في وجدان الناس على اختلافهم وكل منهم يعبر عن ذلك الفقدان بطريقته الخاصة التي تحمل كثيرا من الأسى والشجن .

مقتربات اساسية في الفكرة والمعالجة والبناء

لعل هذا الفيلم يحمل تفردا خاصا في لغتته السينمائية حتى اني اعده احد افضل الأفلام الوثائقية التي عرضت في مهرجان دبي في هذه الدورة , نحت خليل زعرور هذه القصص ومامرتبط بها من وقائع نحتا ، كنا نعيش قلق الشخصيات واحزانها ودبيبها الصامت وهي ترمق المكان وتغادر بعيدا مع الذكريات التي خلفها المفقودون ولعل العلامة الفارقة هنا هي السرد الفيلمي الذي وان كان الفيلم وثائقيا الا ان المعالجة حتمت علينا ان نتابع ماترويه السيدات من قصصهن . وفي واقع الأمر اننا لم نجد انفسنا امام قصة معروفة ومألوفة وسبق وسمعناها ، بل نحن امام موضوع وقضية غير مطلوب منا ان نتعاطف مع اسر الضحايا الا اننا لابد ان نهتز وجدانيا ازاء مايجري امامنا .

وبالرغم من ان السيدات لم يفعلن غير استرجاع الماضي والذكريات والحنين للأعزاء وترقب عودتهم والأمل في ذلك الا اننا كنا امام دراما تتجذر في قرارة الشخصيات وتتسرب الينا ولهذا لم نكن نملك الا ان نتابع فصول تلك القصص المتنوعة الثرة :

الفتاة التي تسترجع ذكرى والدها من خلال بدلته وساعته وهي واقفة في غرفة خربة

الأم التي تسترجع صورة ابناءها وهي جالسة على كرسي قريب من البحر

السيدة التي تسترجع صورة زوجها وهي جالسة وسط الصقيع والثلج

الأم التي يختصر وجود ابنائها وعودتهم بالحياة الأجتماعية اليومية ، ان تطبخ لهم وترعاهم

الزوجة التي تسترجع ايام الحفلات العائلية

تراجيديا المكان الوثائقي

يمتلك المخرج عير هذا الفيلم تفردا خاصا مهما تمثل في توظيف المكان توظيفا متقنا وفريدا ، المكان عنده حي وناطق ، ويكمل الشخصية ويتناغم معها ويردد صدى كلماتها واحاسيسها ، وهو امر نفتقده في كثير من الأفلام سواء منها الوثائقية وحتى الروائية ، المكان يبدو واضحا انه مكان مصنوع وواضح ان المخرج يأتي بشخصياته الى الأماكن التي يختارها هو ومنها مثلا محطة وعربات القطار القديمة المحطمة ، البيت الخرب الذي تستذكر فيه المرأة اباها ، وغيرذلك لكن المخرج لايكتفي بذلك بل يمضي قدما في استثمار المكان فهو يحاول ان يمنحه بعدا آخر ربما كان شعريا وحتى سرياليا في بعض الأحيان وهو في سياق صنعه للمكان من خلال تفصيلات محددة وتوظيف للأكسسوارات فمثلا يأتي بخزانة ملابس فديمة ليس فيها سوى علاقة الملابس تحركها الريح او يأتي بساعة ضخمة معطلة ويضعها في فضاء مفتوح وهكذا بينما يستخدم لازمة الشجرة واغصانها المتيبسة وهي لازمة تتكرر في الفيلم مصحوبة بحركة كاميرا (ترافيلنغ) تنزل مستعرضة المكان ، وحيث لعبت حركات الكاميرا دورا جماليا مهما اضافيا .

..................................................................................................................


الفيلم"الوثائقي احلام الزبالين" للمخرجة مي اسكندر

صورة كفاح مذهل واصرار على الحياة

يوميات مجتمع منسي وسط اكوام من القمامة

لم اكن شخصيا سعيدا بعرض هذا الفيلم للوهلة الأولى وخاصة خلال العشرين دقيقة الأولى بسبب انه يعرض كل هذا البؤس الذي يعيشه معدمون فقراء في المقطم واجزاء اخرى من ضواحي القاهرة وهم في وسط كارثة بيئية لاانسانية في وسط اكوام القمامة ،وهو مشهد ينكرر في مدن وحواظر عربية اخرى كما نعلم ، لم اكن سعيدا لشعوري ان المشاركة المصرية كان يمكن ان تقدم افضل من هذا الفيلم لما فيه من حساسية اظهار واقع مزري ومأساوي من جراء الفقر المدقع الذي تعيشه شريحة من الشعب المصري ، الا ان ماتلا ذلك غير كثيرا من قلقي الشخصي ، فالفيلم قدم وجها آخر من اوجه الأرادة الأنسانية ، ارادة هذا الأنسان الصابر المكافح الذي حتى وهو في يعيش تحت اكثر ظروف العيش قسوة فأنه قادر على ان يحيا ويتشبث بالحياة ويصنع من ذلك الحطام شيئا ما ، شباب لم تقتل ظروف الحياة القاسية التي يعيشونها املهم في الحياة وحبهم للآخرين وانفتاحهم والبسمة التي لاتفارق وجوههم ، نعم هم شباب وجدوا انفسهم في واقع لم يصنعوه بأرادتهم بل ورثوه عن ابائهم وعائلاتهم التي اتخذت من جمع القمامة مهنة لها ، هم افراد مجتمع كامل يعد بعشرات الألوف من الذين يمتهنون هذه المهنة ولايجدون مهنة او لايعرفون مهنة سواها ...هم الشريحة التي تعيش على الهامش ، طموحاتها بسيطة وتعيش وهي بالكاد تواصل العيش وسط اكوام لاحدود لها من القمامة ...هو عالم بالكاد تجد فيه مساحة للحياة الطبيعية النظيفة ، كأنك تعيش مع الشخصيات ولاتكاد تلتقط انفاسك بحثا عن الهواء النقي والملبس النظيف والطعام والماء غير الملوث ...لاتملك الا ان تتعاطف مع التمسك بالصبر وروح الكفاح وقوة الشخصية التي صنعتها قسوة الحياة .

يوميات

يقدم الفيلم بضعة شخصيات بمثابة عينة من تلك الآلاف المؤلفة من العاملين في جمع القمامة ( ادهم ) ، (نبيل ) ، (ليلى) واصدقائهم وعائلاتهم الطيبة البسيطة ، هم قد انتظموا في جمعية تنظمشؤونهم فيما تؤدي ليلى دورا رائعا بل هي محور هام في الفيلم فهي التي تغذي في المجموعة روح الصبر والأستمرار بل انها تعلن منذ البداية انها فتحت عينيها في هذه الدنيا وهي تعيش في هذه البيئة في مجتمع الزبالين وهي لا ولن تخرج منه ولا تريد ذلك وتقول ايضا انها تعد نفسها كمثل السمكة اذا اخرجت من الماء فلن تستطيع العيش ، تقوم ليلى بدور محوري في توعية اولئك الشباب من الزبالين وعائلاتهم ، توعية صحية واجتماعية ، وهي توفر لهم (الطعوم ) المضادة للجروح والألتهابات المصاحبة للعمل في القمامة ومايترتب عليها من اخطار جمة ، تتنقل ليلى بين احبائها واصدقائها الذين يشكلون مجتمع الزبالين وبين تربية ورعاية طفلها وغالبا ماتظهر حسنة الهندام ، انيقة المظهر وكأنها تعيش في زمان غير الزمان ومكان غير المكان ...وهي تجمع شمل هؤلاء الشباب في جمعية فيلتقون جميعا ويناقشون اوضاعهم ومستقبلهم وكل مايخصهم ثم يتطور الأمر الى بدء هذا المركز البسيط توفير دروس القراءة والكتابة للزبالين وتعليم الكومبيوتر ثم بدء مرحلة جديدة هي التعامل بشكل واعي مع الموضوع من وجهة نظر بيئية .

ننتقل بعدها الى اولئك الشباب الثلاثة (نبيل وادهم ) ولكل منهم قصة ، لكن قصصهم تلتقي في المستقبل : ان يتعلموا ، ان يتطوروا ، ان يكون لهم مستقبل ما ، ان تكون لكل منهم الزوجة والحبيبة التي يحلم بها ، هم يعيشون احلامهم وهم يعومون في ذلك العالم القاتم المريع الذي يحفهم ولكنه لايوقف الأمل في داخلهم ، بالطبع قسم كبير من المجموعة هم من الأقباط ولهذا نشاهدهم وهم يؤمون الكنيسة لأداء الصلوات وحضور القداس ، ومع ذلك لايستطيع ادهم ان يترك مهنته كزبال بل يقوم بجمع الأوراق والنفايات من حول الكنيسة وهو يقول ان الناس ممكن تسخر مني الا انني سعيد بأداء هذا العمل في خدمة الكنيسة وتنظيف المكان .

ننتقل بعدها الى جهد شاق آخر يقوم به اولئك الزبالون المكافحون الا او هو القيام بفرز النفايات بحسب انواعها : الورق ، علب البلاستيك ، علب الشامبو والعصير والأجسام والنفايات المعدنية ثم يقومون بحمل تلك الأكوام الهائلة مجددا الى معامل فيها مكائن بدائية تقوم بفرم النفايات ثم لتجمع في اكياس كبيرة من البلاستك لتباع الى المعامل المتخصصة بالبلاستيك او الورق .

............................................................................................

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

الناقد

Advertisement

*
Powered by Blogger.
There was an error in this gadget
**
مرحبا بكم في "ابعاد" في حلتها الجديدة ..السنة الخامسة .. مدونة د.طاهر علوان...وثائقيات ..."نانوك ابن الشمال " عبقرية فلاهيرتي ..هيرزوج الذي يحلم ماشيا .وثائقيات .فيلم العراق في شظايا ..وثائقيات .فيلم دموع غزة .وثائقيات .فيلم احلام الزبالين .وثائقيات .فيلم ملاكي...مشاهد واماكن وتيارات : حوار مع مايكل هانيكة ..جدل الرواية والفيلم في "الحب في زمن الكوليرا " وفيلم / رواية الرحلة الأخيرة ..الفانتازيا السينمائية ..احلام رولان بارت ...ليلة المشاعر والقلوب المحطمة :سينما المودافار..من رجل الخفاش الى ملك الخاتم غرائبية لاتنتهي ..بنية الفيلم القصير ..قوة الوثيقة السينمائية ..تجربة المخرج الأيطالي انطونيوني ..شاعر السينما بيرجمان ..شعرية السرد السينمائي ..فيلم افاتر ..فيلم نبي ..فيلم ملح هذا البحر ...تجربة المخرج طارق صالح ..والعديد من الموضوعات الأخرى

وثائقيات ........................Documentaries

سينما وثائقية ....Documentary Film
........................
contact
warshacinema@gmail.com

نانوك ابن الشمال ...عبقرية فلاهيرتي

ربما كان دافع الأنسان في الأكتشاف ،دافع رسم افقا لأنسان اللحظة المحاصر بكل مايحيط به ، اعادة قراءة للواقع ..البحث في ماهو لامرئي وبعيد عن الأدراك المعتاد واليومي ..هكذا بأمكان الذاكرة ان تتشظى والحواسان تحلق في فضاء لاتحده حدود ..وكذلك سمع وبصر وحواس مبدع غير معني بالسينما ابدا بل بلذة الأكتشاف وليس غير الفيلم اداة فاعلة لتحقيق مثل هذا الأكتشاف ..هذه هي خلاصة روبرت فلاهرتي(1881-1951) ، الأب الروحي والرائد بلا منازع للسينما الوثائقية ، يعيش طويلا مع اقوام لايجدون لذة فيالحياة من دونما صراع يومي من اجل القوت والبقاء ..ويكافح فلاهيرتي معهم طويلا ثم يحمل كاميرته الى القطب حيث يكتشف ذلك الكائن الوديع المكافح (نانوك) وهنالك بالضبط ترعرعت سينما وثائقية خلاقة مازالت تعلم الأجيال ...نانوك ، عبر ثلاثية مطولة ربما كانت عزفا على رومانسية وثائقية مثقلة بالشقاء ايضا ، بسبب قسوة المكان وشظف العيش حيث يقضي نانوك جوعا فيما بعد ، فلاهيرتي يؤسسس لوعي عميق بالزمان والمكان والشخصيات ، لم يلبث بعد هذا الفيلم الذي اكمله في حوالي العام 1923 لينتقل الى اماكن جزر تشهد كفاح الأنسان ايضا في الساحل الغربي لأيرلندا حيث حقق فلاهرتي رائعته الخالدة (رجل من اران)..

Nanook of the north

هيرزوج الذي يحلم ماشيا

ربما هي خلاصة تعبر عن احد اهم اعمدة السينما الألمانية ،هيرزوج (1942) ، الأنسان الحاص ، والسينمائي الشامل ، الساخط على عالم اكثر تعاسة وتشتتا وغرابة ، ولهذا فهو ماض في الغوص في الخبايا الشاسعة ...يمضي بلا كلل ..يقطع الاف الكيومترات مشيا ، هذا هو ، غير مكترث لأي شيء سوى ان يرى ويرصد ويعيش اللحظة المأزومة والزمن المثقل بالتحولات والمصاعب ، هو غير مكترث بأي شيء سوى ان يرى وان يكون عينا راصدة عبر الفيلم الوثائقي اكثر وعيا وحرفية وبمستوى مايريد ويحلم ..هو احد ركائز السينما الألمانية الجديدة واحد المع رمزها ومبدعيها ...في فيلمه ( الأزرق الوحشي هناك-2006) ثم انسان مأزوم تحاصره الطبيعة ويجوس هو في ظلماتها وقسوتها ليطلق نشيدا انسانيا مؤثرا ، اخرج وكتب السيناريو لأكثر من 40 فيلما وحتى آخر افلامهالوثائقية (كهف الأحلام غير المنسية 2010) ليس كافيا بالنسبة بهيزوج ان تكون حيا والحياة نابضة من حولك ، بل ان تقلب الصورة ايا كانت وتبحث عن وجه الحقيقة غير المرئي ، عن الألم والقسوة والجدل بين الأنسان والكون والطبيعة ...ذلك هو عالم هيزوج الشاسع الفريد الذي لايكترث الا بأن يكون ..وان يعني شيئا

Werner Hrzog

العراق في شظايا

هي بحق التجربة الواقعية الصادقة ، السينما الوثائقية تحفر عميقا في هذه التجربة وتقدم واقعا متشظيا ، واقع هو صورة عراق يدرك شخوصه انهم يتشظون حسيا ويتشظى كل شيء من حولهم في اشد الأزمنة عصفا ابان الأحتلال ومايشبه حربا كونية صبتت فيه الأمبراطورية حممها على الرؤوس بلا رحمة ..يحرص المخرج الشاب جيمس لونجلي على المراقبة الواعية لحياة الشخصيات اليومية ..فعلها من قبل في رائعته (قطاع غزة)-2002 ، اذ يثب الى اكثر الأماكن تعقيدا وسخونة ووسط صخب مايجري يترك كاميرته ان تعيش حياة الناس بصبر واناة ...هو كمن يدرب شخصياته او يدفعها ان تقول وتفعل ماتشعر به فعليا وتنسى تلك العين الثاقبة الراصدة ..في هذا الفيلم (انتاج 2006) هنالك فتى في احدى ورشات السيارات لاتملك الا ان تتفاعل معه وهو يردد حواره اليومي المكرر مع (الأسطة او مالك الورشة ) ثم ندرك ان ذلك العالم البعيد في تلك الورشة الصغيرة المنسية انما يقع في عين العاصفة حيث مراكز القوى والصراع السياسي والأحزاب والخطابات ودبابات ومجنزرات الأمبراطورية ...المخرج هنا معني بذلك العالم غير المرئي في قلب العراق ، بغداد صعودا الى قوميات واعراق واقليات ...انها دراما كامنة في حياة الشخصيات وتحولاتها ..وهي تتشظى وتلتحم ثم تتشظى من جديد ...

Iraq in fragements

دموع غزة

هناك حيث لايسمع انين وصرخات الضحايا احد ...الرصاص المصبوب مثل رقصة الطيور الذبيحة حيث تختض الأرض وتصب آلة القتل حممها على الناس ...تمعن المخرجة النرويجية (فيبيك لوكيبرج- مواليد 1945) في العيش مع الحدث وتقديم الدراما الهائلة للفتك بكل شيء حيث تحصد الآلة الحربية الأسرائيلية كل شيء ، آلة قتل عميااء تتنقل من بيت لبيت ومن شارع الى شارع لاتستثني احدا كائنا حيا او جماد، كل هؤلاء اعداء اسرائيل ولهذا تجرب فيهم آلته الحربية وكأنها في مواجهة جيوش جرارة : في مشهد القتل الكل يبحث عن الكل ، الأمهات عن الأبناء والأطفال عن امهاتهم ، هي مثل لعبة قمار عبثية تمارسها آلة القتل فحيثما تتوقف عجلة الروليت الحربية فأنها تقصف وتقتل وتقطع البشر وتحطم البيوت على رؤوس ساكنيها .تستخدم المخرجة وسائلها التعبيرية لتحتشد في نسق صوري – صوتي تعبيري متدفق بتدفق الكارثة وتعدد فصولها ..فالموت الحتمي تدركه المخرجة وهي تلج بكاميرتها في وسط الهيب والفجيعة ، العالم الصامت المتفرج كأنه يكتب كلمة ادانته من خلال اللاادانة المباشرة ولكن كلش شيء يدين مايجري من نزال بربري وهمجي يبد العزل وينتصر للخرافات والأوهام ..مابين هذا كله تبرز هذه المخرجة التي عاشت مع السينما الوثائقية منذ حوالي اربعين عاما وماتزال وبالرغم من قلة عدد افلامها (سبعة افلام منذ العام 1967 حتى الآن) ..الا ان فيلم دموع غزة يعد بحق قمة ماقدمته ومايحق لها ان تفتخر به ..

Gaza Tears

Malaki : khalel zaarourملاكي ..لخليل زعرور

فيلم احلام الزبالين للمخرجة مي اسكندر

اغنيتي المفضلة من اديث بياف

Followers

About Us

Film Dimensions
Film Dimensions
View my complete profile